العودة إلى المدونة
سياسات اجتماعية

الاستيطان الرعوي في المغيّر: كيف تتحول الأرض إلى مناطق محظورة على أصحابها؟

5 دقائق قراءة 5 يوليو 2026
الاستيطان الرعوي في المغيّر: كيف تتحول الأرض إلى مناطق محظورة على أصحابها؟

على حافة أرضه في قرية المغيّر شمال شرق رام الله، يرقب المزارع كاظم حقوله التي باتت تفصلها عنه بؤر استيطانية ومستوطنون مسلحون يطلقون مواشيهم

رام الله والبيرة- رغد النعسان- منصة ظل
على حافة أرضه في قرية المغيّر شمال شرق رام الله، يرقب المزارع كاظم حقوله التي باتت تفصلها عنه بؤر استيطانية ومستوطنون مسلحون يطلقون مواشيهم لترعى في أراضي المواطنين، مستهدفين المجال الحيوي للقرية. ولم تتوقف هذه المعاناة عند حدود الحرمان من الدخول، بل تحولت إلى مواجهات ميدانية خطيرة، ففي أثناء محاولة كاظم ونجله الوصول إلى أشجارهما، أطلق مستوطنون رصاصاً متفجراً أصاب قدم الابن بصورة مباشرة. تلخص هذه الحادثة الواقع اليومي في المغيّر، حيث تحولت حقول الزيتون من مصدر رزق أساسي إلى خط الدفاع الأخير عن الوجود البشري والاقتصادي في المنطقة.

هندسة الخنق وتفكيك المجال الجغرافي

لا تقتصر الاعتداءات في قرية المغيّر على الممارسات الفردية، بل تأتي في سياق سياسة ممنهجة لتقطيع أوصال الأرض الفلسطينية وفرض واقع جيوسياسي جديد. وتعتمد هذه المخططات على ما يُعرف بـ "الاستيطان الرعوي"، الذي يحظى بحماية جيش الاحتلال الإسرائيلي، ويهدف إلى تفريغ الأرض من سكانها وتحويل التجمعات الفلسطينية إلى كانتونات معزولة.
تاريخياً، بدأت هندسة خنق المغيّر بشق ما يُعرف بـ "شارع أيلون" الاستيطاني، وهو التطبيق الميداني لـ "خطة ألون" الرامية إلى عزل منطقة الأغوار وتحويل الضفة الغربية إلى معازل منفصلة. يتبدى هذا المخطط اليوم عبر إقامة 8 بؤر رعوية جديدة محيطة بالقرية عقب السابع من أكتوبر 2023، كأداة لفرض أمر واقع يحرم المواطنين من مساحاتهم الشاسعة دون الحاجة لقرارات مصادرة حكومية معلنة.
وتسببت هذه السياسات في تقليص المساحة الجغرافية المتاحة لأهالي القرية من 43 ألف دونم إلى نحو 950 دونماً فقط خاضعة للحوكمة المحلية، مما جعل التمدد العمراني الطبيعي وتطوير البنية التحتية من شبكات مياه وكهرباء أمراً بالغ الصعوبة، بالتزامن مع إغلاق المنفذ الذي يربط المغيّر بقرية أبو فلاح بشكل دائم.
ويوضح رئيس المجلس القروي في المغيّر، أمين أبو عليا، أبعاد هذا التضييق السياساتي قائلاً: "يتعرض المجلس القروي لاستهداف مقصود لتقويض أدوات الحوكمة المحلية، حيث نواجه كممثلين محليين الملاحقة والاحتجاز المتكرر وفرض الغرامات المالية، بهدف إعاقة أي عمل تنموي أو إغاثي". ويضيف أبو عليا أن هذا الحصار يتكامل مع معوقات التمويل الخارجية، إذ يمنع الاحتلال المؤسسات الدولية من دعم وإيصال المساعدات للمناطق المهددة، مما يجعل الدعم المتوفر حالياً يغطي الحد الأدنى فقط من الاحتياجات الأساسية الهائلة على الأرض.

حرب الإبادة البيئية وتقويض السيادة الاقتصادية

يعتمد مخطط الاستيطان الرعوي في الميدان على تبادل أدوار بنيوي بين الجيش ومجموعات المستوطنين، مستخدماً الضغط المالي والنفسي لرفع كلفة الصمود ودفع المزارعين إلى ترك أراضيهم. وفي هذا السياق، سجلت القرية في أبريل 2024 هجوماً واسعاً للمستوطنين أسفر عن إحراق 19 منزلاً بالكامل، وتدمير 40 مركبة، وإصابة 39 مواطناً بالرصاص الحي، فضلاً عن ارتقاء شهيد من شباب القرية.
وعندما تنكمش المساحة الزراعية بفعل التمدد المسلح، فإن هذا التراجع يمثل تقويضاً لركائز الاقتصاد المقاوم والسيادة الغذائية في المغيّر؛ ففي أغسطس 2025، تعرضت البيئة الزراعية في القرية لاقتلاع وتدمير 10,562 شجرة زيتون معمرة خلال أقل من 72 ساعة. وتواجه القرية اليوم تراجعاً اقتصادياً حاداً يتلخص في انخفاض إنتاج الزيتون بنسبة 80% نتيجة عمليات الاقتلاع والتجريف، فضلاً عن تضرر الثروة الحيوانية والإنتاج الرعوي، مما قطع أرزاق عشرات العائلات ودفع بعض المواطنين مضطرين إلى البحث عن فرص عمل غير مستقرة داخل الخط الأخضر رغماً عن مخاطر الملاحقة والاعتقال.
يصف المزارع كاظم حجم الخسارة الاقتصادية التي تعرضت لها عائلته قائلًا: "الطريق التي كانت تستغرق 10 دقائق للوصول إلى أراضينا، أصبحت اليوم تتطلب 3 ساعات كاملة بفعل الحواجز العسكرية والإغلاقات الممنهجة بالبوابات الحديدية. لقد انخفض إنتاجي الشخصي من نحو 50 تنكة زيت إلى 3 تنكات فقط، وتكررت هذه المأساة مع جاري الحاج رتيب النعسان الذي كان يملك نحو 10 آلاف شجرة زيتون ولم يتبق له اليوم سوى 300 شجرة فقط جراء عمليات التجريف المستمرة وحرماننا من رعاية ما تبقى من أرضنا".

السيادة الشعبية البديلة وأفق الحل المقاوم

تثبت التجربة الميدانية لأهالي المغيّر، خصوصاً بعد التطورات الجيوسياسية الأخيرة، أن المسارات والقضايا القانونية المرفوعة أمام محاكم الاحتلال تحولت إلى إجراءات شكلية تمنح غطاءً قضائياً للمصادرات، وهو ما يسقط الرهان على الحلول القانونية الفوقية ويفرض التوجه نحو بناء استراتيجيات صمود بديلة تنطلق من المجتمع المحلي لإسناد المزارعين وتثبيتهم في أراضيهم.
ولتجاوز هذه الفجوة السياساتية، يتطلب الواقع المعيشي إطلاق حركة اجتماعية شبابية محلية لمناهضة الاستيطان، ترتكز على تنظيم حملات عمل تطوعي جماعية لمساندة المزارعين في مواسم قطف الزيتون ورعاية الأرض، باعتبارها أداة جماعية لكسر سياسة الاستفراد العسكري بالمزارعين المنفردين. ويتلازم هذا المسار مع أهمية تطوير منظومة رصد وتوثيق شعبية تتولى متابعة وفحص اعتداءات البؤر الرعوية بالصور والأرقام الدقيقة، وبناء قنوات اتصال مباشرة مع الهيئات الحقوقية الدولية لتوثيق الانتهاكات بيئياً واقتصادياً.
كما تبرز الضرورة الملحة لتعزيز الاقتصاد المنزلي والزراعي المقاوم من خلال دعم لجان الحوكمة المحلية والمؤسسات الأهلية للتحول نحو مشاريع زراعية وإنتاجية بديلة تضمن حداً أدنى من الاكتفاء الذاتي والسيادة الغذائية في ظل الحصار الفيزيائي المحكم، مما يشكل رافعة حقيقية لإعادة بناء مقومات الصمود في مواجهة آليات اقتلاع الحياة المستمرة.

لا توجد تعليقات حتى الآن

لا تعليقات حتى الآن. بدء مناقشة جديدة.

أضف تعليق