العودة إلى المدونة

لجنة إعمار الخليل: أزمة التمويل وسياسات الاحتلال عقبتان أمام مشاريع الترميم
تواجه "لجنة إعمار الخليل" وبلدية المدينة اختباراً وجودياً في تثبيت من تبقى من السكان وسط سياسات خنق وتكثيف للاستيطان

تلوح في أفق مدينة الخليل أزمة بنيوية معقدة، فمنذ التوقيع على "بروتوكول إعادة الانتشار في الخليل" عام 1997، قُسّمت المدينة إلى منطقتين: منطقة H1 التي خضعت للسيطرة الفلسطينية، ومنطقة H2 التي بقيت تحت السيطرة الأمنية الإسرائيلية الكاملة. ومع اندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000، أعاد الاحتلال اجتياح المدينة، وتدهورت الظروف الحياتية للفلسطينيين في منطقة H2 تدهوراً حاداً نتيجة الحصار والبؤر الاستيطانية المحاذية لها، مما دفع العديد من العائلات المقتدرة اقتصادياً إلى الهجرة القسرية نحو أحياء المدينة الشمالية.
اليوم، تواجه "لجنة إعمار الخليل" وبلدية المدينة اختباراً وجودياً في تثبيت من تبقى من السكان وسط سياسات خنق وتكثيف للاستيطان وإغلاق الكثير من المحال التجارية بأوامر عسكرية. ويطرح هذا الواقع تساؤلاً سياساتياً ملحاً حول مدى كفاية أدوات "الترميم الهندسي" وحدها لضمان الصمود الاقتصادي والاجتماعي في ظل تراجع التمويل الدولي وتآكل الصلاحيات.
أمام سياسات الاحتلال وتراجع الإغاثة
تتجسد الفجوة بين تطلعات الإعمار والواقع المعيشي الصعب في شهادات السكان، إذ تفيد المواطنة (ف. خ)، المقيمة في حي تل رميدة المستهدف بالاستيطان، بأن لجنة الإعمار رممت بيتها قبل خمس سنوات وشمل ذلك الأسقف والمطبخ، مستدركة بأنها واجهت خلال الحرب الحالية خطراً حقيقياً يهدد بقاءها نتيجة عجز اللجنة عن توفير مساعدة مالية لتغطية جزء من إيجار المنزل البالغ 300 شيكل، بذريعة شح الموارد وعدم كفايتها للجميع، في وقت يقتصر فيه دور البلدية على تقديم الخدمات الأساسية كالمياه والكهرباء.
هذا التراجع في القدرة الإغاثية ينعكس أيضاً على القطاع التجاري، إذ يقول التاجر سعيد، أحد أصحاب المحال في البلدة القديمة: "للجنة الإعمار الفضل في إعادة ترميم محل جدي، لكن رسم المسار السياحي الحالي الذي يتجاوز العديد من المحلات -ومنها محلي- حوّل المكان إلى ما يشبه المقبرة التجارية" مضيفاً أن البلدية لم تعوضه عن تلف بضاعته جراء فيضانات الشتاء الماضي الناتجة عن انسداد عبّارات المياه القديمة. وتظهر هذه الشهادات تشابك الأزمات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية في منطقة H2، وهي أزمات تفوق قدرة الإعمار الهندسي المنفرد على الحل في ظل تآكل الصلاحيات، لا سيما بعد تقويض صلاحيات بلدية الخليل في الحرم الإبراهيمي ومحيطه بقرار من سلطات الاحتلال.
الهندسة في خدمة الصمود: خطط بديلة وموازنات متآكلة
تأسست لجنة إعمار الخليل بقرار رئاسي من الرئيس الراحل ياسر عرفات عام 1996، بهدف الحفاظ على الموروث الثقافي وتدوير الحركة الاقتصادية وإعادة توطين السكان. توضح المهندسة نهى دنديس، من قسم الإشراف الهندسي في اللجنة، أن السياسة المتبعة بالإشارة إلى أن الأولوية القصوى تكمن في ترميم وإصلاح المباني المهجورة وتلك المحاذية للبؤر الاستيطانية مثل تل رميدة والبلدة القديمة ووادي الحصين، ثم استقطاب العائلات للعيش فيها. وتشير دنديس إلى آلية العمل السياساتية حيث تُعاين اللجنة المبنى المستهدف، وفي حال عدم رغبة مالكيه في السكن فيه، تستأجره اللجنة لمدة 5 سنوات وترممه ثم تمنحه لعائلة أخرى للسكن فيه مجاناً للمدة ذاتها، مؤكدة أن اللجنة رممت ترميماً شاملاً نحو 114 بيتاً ومحلاً تجارياً، وأجرت صيانة عامة لـ 84 أخرى خلال عام 2025، إلى جانب الترميم الدوري للحرم الإبراهيمي والمتحف.
وتتكامل هذه الجهود مع سياسة بلدية الخليل التي تمنح إعفاءً ضريبياً كاملاً للمحلات والمباني السكنية هناك، وتقدم شحناً شبه مجاني للكهرباء. بيد أن د.أسماء الشرباتي، من بلدية الخليل، تؤكد "أن الأولوية هي لتنفيذ مشاريع البنية التحتية، ولكن تعنت الاحتلال ومماطلته في إصدار تصاريح حركة العاملين وإدخال مواد البناء يقلصان قدرة البلدية على تلبية هذه الخدمات".
ولعل التحدي الأبرز يكمن في واقع التمويل والاعتماد على المانحين الدوليين، في وقت أوقفت فيه جهات كـالوكالة السويدية للتنمية" (SIDA) والوكالة الإسبانية والاتحاد الأوروبي دعمها عقب أحداث السابع من أكتوبر حسب دنديس، بالتزامن مع عجز السلطة الفلسطينية جراء أزمة المقاصة.
ويتمثل هذا العجز في أرقام ميزانية لجنة إعمار الخليل للأعوام الأخيرة، حيث بلغت ميزانية اللجنة لعام 2022 نحو 3,163,827 دولاراً، ولعام 2023 قرابة 4,055,471 دولاراً، فيما انخفضت لعام 2024 لتبلغ 2,652,025 دولاراً، ولعام 2025 بلغت 2,334,201 دولاراً، لتعاود الارتفاع الطفيف في عام 2026 الحالي وتصل إلى 2,721,799 دولاراً، حسب ما يشير له السيد محمود ملحم المدير المالي للجنة إعمار الخليل.
المسؤولية الجماعية: تكاتف محلي خجول وغياب للرؤية الشاملة
أمام تراجع التمويل الدولي، يبرز السؤال حول دور رأس المال والمؤسسات المحلية، إذ يؤكد رئيس الغرفة التجارية في الخليل، عبده إدريس، "أن دعم البلدة القديمة والسكان المحليين واجب اجتماعي ووطني، مشيراً إلى مبادرات فردية لترميم الآبار وافتتاح فروع لشركات كبرى لتنشيط المنطقة"، كا أكد على غياب ميزانية ثابتة ومخصصة، موضحاً أن الدعم شحيح جداً ولا توجد اتفاقية رسمية تنص على الدعم الكامل بين الغرفة والجنة. وفي هذا السياق، يكشف المدير المالي للجنة، الأستاذ محمود ملحم، أن آخر مبلغ رسمي تبرعت به الغرفة التجارية للجنة كان 12 ألف شيكل فقط في ديسمبر 2025.
هذا الشح ألقى بظلاله على ثقة السكان، حيث تشير المواطنة ف.خ (من سكان تل رميدة) إلى أن "اللجنة لم تقدم لها أي مساعدة مادية أو معنوية خلال العامين الماضيين". كما يعبر التاجر سعيد عن إحباطه من غياب آليات واضحة لتشجيع المتسوقين، مذكّراً بتوقف المساعدات النقدية الدورية التي كانت تصرفها المحافظة سابقاً للسكان والتجار.
تتطلب مواجهة التهويد الزاحف في الخليل الانتقال من سياسة الترميم الهندسي المجردة إلى سياسات الحماية الاقتصادية والاجتماعية المتكاملة، وذلك عبر التزام لجنة الإعمار والبلدية بإعادة رسم المسارات السياحية والتجارية داخل البلدة القديمة لتشمل كافة الأحواش والمحلات بالتساوي وتجنب عزل أي مربع تجاري. كما يستدعي الواقع إبرام اتفاقية إطار ملزمة بين غرفة تجارة وصناعة الخليل ولجنة الإعمار لترجمة التضامن المحلي إلى صندوق استثماري دائم يدعم تشغيل المحلات المغلقة، بالتوازي مع تكثيف الحكومة الفلسطينية لجهودها الدبلوماسية لإعادة توجيه التمويل الدولي نحو منطقة H2، وتشجيع المانحين على تمويل مشاريع تشغيلية وإنتاجية صغيرة تضمن كرامة السكان الاقتصادية بدلاً من الاقتصار على الترميم الإنشائي العيني.
لا تعليقات حتى الآن. بدء مناقشة جديدة.