العودة إلى المدونة
سياسات بيئية

كتل الإسمنت تخنق رام الله والبيرة...هل تعيد السياسات الحضرية حق المواطن في "مساحة خضراء"؟

5 دقائق قراءة 22 مايو 2026
كتل الإسمنت تخنق رام الله والبيرة...هل تعيد السياسات الحضرية حق المواطن في

مع ساعات الصباح الأولى، يتدفق سكان مدينتي رام الله والبيرة إلى أعمالهم وسط زحام مروري خانق، محاصرين بكتل إسمنتية ومكعبات من الخرسانة.

رام الله والبيرة- هديل الخطيب- منصة ظل

مع ساعات الصباح الأولى، يتدفق سكان مدينتي رام الله والبيرة إلى أعمالهم وسط زحام مروري خانق، محاصرين بكتل إسمنتية ومكعبات من الخرسانة. وفي هذه الجغرافيا المكتظة، والممنوعة من التوسع بفعل قيود الاحتلال، تطور مركز الضفة الغربية الاقتصادي والسياسي، ليبدل وجه المدينتين ويخفي بالتدريج المساحات المفتوحة، أمام زحف اسمنتي مستمر.
لكن على الجانب الآخر، يظهر قصور السياسات والفجوة المعيقة بين التشريعات والتطبيق المتصل بهذا الملف، ما يحرم المواطن من حقه الأساسي في بيئة حضرية صحية ومتوازنة. تمتد معاناة أهالي المدينتين إلى سائل مراكز محافظات الضفة الغربية، مسببة تراجعاً في جودة الحياة وارتفاعاً في درجات الحرارة الموضعية والتلوث البصري والبيئي في هذه المدن.
في ظل هذا الواقع، يبرز سؤال أولويات التخطيط وقدرة السياسات العامة على مواجهة سطوة الاستثمار العقاري، الذي يحمل شعار تلبية الطلب السكاني المتصاعد، لكنه يصطدم ع انحسار مساحات الترفيه والضغط على الرئات الخضراء للمدن.

قوانين على الورق وفجوة في التنفيذ

إدارياً، تخضع عملية التخطيط العمراني وتنظيم استخدام الأراضي لقانون تنظيم المدن والقرى والأبنية رقم 79 لسنة 1966، وتعديلاته والتي من أبرزها القرارات بقانون رقم 20 لسنة 2021، ورقم 49 لسنة 2022، إلى جانب نظام الابنية رقم 6 لسنة 2011. هذه المنظومة تلزم الهيئات المحلية بتخصيص مساحات خضراء وعامة ضمن المخططات الهيكلية، فيما تفرض السياسات والقرارات المحلية، وتحديدًا في بلدية رام الله، على المشاريع العمرانية والتجارية تخصيص ما لا يقل عن 10% من مساحة الأرض كمناطق خضراء، وتُشرف لجان فنية هندسية على مراجعة المخططات لضمان ذلك قبل منح التراخيص.
وحول هذه الإجراءات وفجوة التطبيق، يقول نائب رئيس بلدية رام الله، صلاح هنية: "القوانين والأنظمة وُضعت أساسًا لتسهيل التنظيم وحماية الحق العام، والبلدية تعتمد نهجًا يقوم على توزيع المساحات بين حدائق مركزية وأخرى فرعية داخل الأحياء، لكن المشكلة الحقيقية تكمن في التطبيق والانصياع لها على أرض الواقع؛ إذ يعمد بعض المطورين إلى الالتفاف على هذه الشروط فور الحصول على التراخيص اللازمة وتحويل المساحات الخضراء إلى مواقف سيارات أو ملاحق بنائية".
وفي مدينة البيرة المجاورة، ذات التداخل الجغرافي المعقد مع رام الله، تؤكد عضو المجلس البلدي السابق، د. رجاء الرنتيسي، وجود مساعٍ لدمج البعد البيئي في هذه الأنظمة عبر سياسات "الأحزمة الخضراء" لتشكل مصدات طبيعية تفصل بين المناطق الصناعية والأحياء السكنية.
وتضيف الرنتيسي: "نُلزم المشاريع بوجود مناطق خضراء، ونُجري متابعة ميدانية قبل منح إذن الإشغال لضمان التزام المقاولين بعدم اقتلاع الأشجار إلا في حالات الضرورة القصوى المبررة هندسيًا، لكن التحدي الأكبر يبرز في مرحلة (غياب الرقابة اللاحقة)؛ حيث تقتصر الرقابة غالبًا على مرحلة منح الترخيص، ليتم لاحقًا التعدي على هذه الفراغات البيئية في ظل غياب التفتيش الدوري، ولا تتحرك الجهات الرقابية لردع التجاوزات إلا عند ورود شكاوى من المواطنين".

أرقام تكشف الواقع

تظهر البيانات الصادرة عن بلدية البيرة تحسنًا نسبيًا في هذا المجال؛ إذ ارتفعت حصة الفرد من المساحات الخضراء مؤخرًا من 0.5 متر مربع إلى نحو 1.2 متر مربع، ورغم هذا المؤشر الإيجابي، فإن الرقم لا يزال بعيدًا جدًا عن المعايير العالمية الموصى بها، وهو تحسن يصطدم بنمو سكاني وعمراني متسارع في المدينة، وفقًا لبيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، ما يسرّع زحف الإسمنت.
ولا تقف تحديات البيئة الحضرية عند حدود الزحف العمراني المدفوع بالعائد الاقتصادي لقطاع العقارات، بل تصطدم بالسياق السياسي الفلسطيني البالغ التعقيد؛ ففي مدينة البيرة مثلًا، تُصنف نسبة كبيرة من أراضي المدينة -خصوصًا في أطرافها- ضمن مناطق (ج) الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية الكاملة، حيث يمنع هذا التصنيف التوسع الجغرافي الأفقي الطبيعي للمدينة، ويخلق ضغطًا خانقًا على المساحات المتاحة للتطوير في المخطط الهيكلي، ما يجبر المطورين العقاريين على التوسع العمودي وزيادة الكثافة البنائية في المتر المربع الواحد، وتهميش الفراغات البيئية.
اقتصاديًا، تقف موازنات البلديات المحدودة حجر عثرة أمام استدامة المشاريع الخضراء؛ إذ تعتمد الهيئات المحلية على التمويل الذاتي أو الدعم الخارجي المؤقت لإنشاء الحدائق، ما يجعل كلفة صيانتها المستمرة عبئًا ثقيلًا يتراجع أمام أولويات خدماتية أخرى كالبنية التحتية والمياه والصرف الصحي.

البدائل السياساتية: خطة عمل لإنقاذ الفضاء العام

أمام هذه الأزمة، يتطلب الواقع المعاش تبني بدائل سياساتية إلزامية وقابلة للتطبيق والقياس، لضمان استعادة التوازن البيئي، وتتمثل أبرز هذه البدائل في مأسسة الشراكات لتجاوز عجز التمويل، عبر سياسة التحفيز الضريبي واستثمار برامج المسؤولية المجتمعية على سبيل المثال، وذلك من خلال تحويل مبادرات مثل "تبني حديقة" إلى سياسة مؤسسية مستدامة، تقوم على منح شركات القطاع الخاص (كالبنوك وشركات الاتصالات) حوافز وتسهيلات ضريبية من البلدية، مقابل توليها المسؤولية المالية والتنفيذية لإنشاء وصيانة الحدائق العامة لعقود ممتدة، ما يرفع العبء المالي عن البلديات ويضمن ديمومة المرفق العام.
من المفيد أيضاً البحث في إمكانية التوظيف المبتكر للفراغات وإلزامية الأسطح الخضراء للتغلب على شح الأراضي والقيود المفروضة في مناطق (ج)، ولتحقيق ذلك يتعين على وزارة الحكم المحلي وسلطة جودة البيئة تعديل نظام الأبنية، لفرض سياسة "الأسطح الخضراء" والحدائق العمودية كشرط ملزم في تراخيص الأبنية التجارية والمجمعات السكنية الضخمة، مع إعفاء المباني الملتزمة من نسب معينة من رسوم التراخيص لتشجيع المستثمرين.
تحتاج كل هذه السياسات تفعيل الرقابة الدائمة وتغليظ العقوبات لسد فجوة التنفيذ، وذلك عبر تشكيل "شرطة بيئية وحضرية" تابعة للبلديات تملك صلاحيات الضابطة العدلية لإجراء جولات تفتيش دورية مفاجئة (ما بعد إذن الإشغال)، وتعديل اللوائح لفرض غرامات مالية باهظة ورادعة تُجدد سنويًا على العقارات المخالفة، بحيث تصبح كلفة المخالفة أعلى بكثير من العائد المرجو من تحويل المساحة الخضراء إلى مواقف سيارات أو إسمنت.


هديل الخطيب
بقلم

باحثة وناشطة في قضايا الشباب والمجتمع، خربجة لغة ألمانية فرعي علاقات دولية، واهتم بمجالات الريادة وتعزيز مشاركة الشباب في صنع القرار. أسعى إلى تطوير مهاراتي ومعرفتي للمساهمة في تمكين الشباب وجعلهم جزء فاعل في المجتمع.

عرض جميع المقالات
لا توجد تعليقات حتى الآن

لا تعليقات حتى الآن. بدء مناقشة جديدة.

أضف تعليق