العودة إلى المدونة
سياسات بيئية

حوادث عقر الأطفال تعيد فتح ملف السياسات الغائبة لإدارة ملف الكلاب الضالة

5 دقائق قراءة 21 يوليو 2026
حوادث عقر الأطفال تعيد فتح ملف السياسات الغائبة لإدارة ملف الكلاب الضالة

باغتها كلب ضال من الخلف مهاجماً جسدها الصغير، وسط صرخات عائلتها ومحاولات المارة لإنقاذها. نُقلت الطفلة إلى المستشفى لتلقي المصل الوقائي

رام الله- افتخار عبد الجابر- منصة ظل:

لم تكن الطفلة (ت. م)، البالغة من العمر خمس سنوات، تدرك أن دقائق اللعب في فناء منزل جدّها ببلدة بيت عور التحتا، غربي رام الله، ستتحول إلى صدمة نفسية وجسدية ترافقها طويلاً. باغتها كلب ضال من الخلف مهاجماً جسدها الصغير، وسط صرخات عائلتها ومحاولات المارة لإنقاذها. نُقلت الطفلة إلى المستشفى لتلقي المصل الوقائي، لكن الجروح النفسية لم تندمل، إذ باتت تخشى الخروج إلى الشارع، في وقت تحبس فيه عائلتها أنفاسها مع كل خطوة تخطوها الطفلة خارج عتبة البيت.
تفتح هذه الحادثة، التي يؤكد والد الطفلة أنها ليست الأولى في المنطقة، الباب على تساؤل يتجاوز الحالة الفردية: هل تمتلك الهيئات المحلية والوزارات الشريكة في فلسطين سياسة موحدة ومستدامة لإدارة هذا الملف؟

فجوة إحصائية وقصور في الخدمات البيطرية

يأتي تصاعد هذه الحوادث في وقت تحذر فيه وزارة الصحة الفلسطينية من تزايد حالات التعرض لعضات وخدوش الكلاب، مؤكدة أن التدخل الطبي السريع يعد ركيزة أساسية للوقاية من مرض داء الكلب (السعار)، وهو مرض فيروسي قاتل بنسبة تقارب 100% في حال عدم تلقي اللقاحات والمصل في الوقت المناسب.
وعلى الرغم من خطورة المشهد الميداني، تعاني المنظومة الرسمية من فجوة في البيانات، إذ تفتقر قاعدة البيانات الوطنية المحدثة لعامي 2025 و2026 إلى إحصائيات شاملة ومصنفة حول إجمالي الإصابات أو عدد جرعات اللقاح التي صرفتها المستهلكات الطبية الرسمية.
هذا النقص الإحصائي يتوازى مع تقييم مجتمعي سلبي للأداء المؤسسي، حيث أظهرت دراسة فلسطينية أعدها باحثون من جامعة القدس والنجاح بعنوان "المعرفة والوعي والممارسات المتعلقة بداء السعار في فلسطين" ونُشرت عام 2025 أن 67.9% من المشاركين يرون أن الخدمات البيطرية المحلية غير كافية للتعامل مع هذا الملف، مما يعكس اتساع الفجوة بين الاحتياج الميداني والتدخلات السياساتية القائمة، ويعزز المطالب بتبني برامج وقائية شاملة تشمل التعقيم، والتطعيم، والتوعية المجتمعية.

بين خيار التسميم وبديل التعقيم العلمي

تُرجع مؤسسة ومديرة جمعية مريم للرفق بالحيوان د. سيرين يحيى، "أن تفاقم الظاهرة في مختلف المحافظات الفلسطينية إلى غياب سياسة وطنية موحدة وملزمة عابرة للهيئات المحلية. فالأزمة لا تكمن في وجود الحيوانات بذاتها، بل في عوامل هيكلية أبرزها غياب برامج التعقيم الممنهجة، وضعف التنسيق البيني بين البلديات والجهات المختصة، وتوفر المكبات والمكاره الصحية المفتوحة قرب التجمعات السكنية كمصادر غذاء للكلاب، فضلاً عن شح التمويل المخصص لمشاريع الإيواء".
كما تشير يحيى إلى "أن حملات التسميم أو القتل العشوائي التي تنفذ في بعض المناطق، لم تحقق نتائج ضبط فعلية، بل ساهمت في تفجير الأزمة على المدى البعيد". وبشأن المبادرات القائمة، تصف يحيى تجربة مركز عين قينيا التابع لبلدية رام الله بأنها خطوة نموذجية إيجابية، لكن أثرها سيبقى محدوداً ما لم يُرفع سقفها لتصبح سياسة حكومية عابرة للمحافظات ومسنودة بتمويل مستدام وقاعدة بيانات وطنية واضحة.
من جانبها، تؤكد مديرة مركز تعقيم الحيوانات الضالة في عين قينيا، ملفينا الجمل، "أن المركز يعتمد برنامج التعقيم والتطعيم والإرجاع المعروف بـ (TNR) والذي يقوم على أساس الإمساك بالكلب، تعقيمه، تطعيمه ضد السعار، ثم إرجاعه إلى بيئته". وتوضح الجمل أن بلدية رام الله تبنت هذا النهج كبديل إنساني وعلمي مستدام للحفاظ على الصحة العامة، بالتنسيق مع الجهات البيطرية ووزارة الصحة.
وتشير الجمل إلى معضلة هيكلية تحكم العمل الميداني، وهي أن نطاق عمل المركز ينحصر في الحدود الجغرافية لبلدية رام الله فقط، بينما هجرة الكلاب من الهيئات المحلية المجاورة التي لا تطبق ذات البرنامج مستمرة. وتضيف من منظور علمي أن التخلص من الكلاب بالقتل يخلق فراغاً بيئياً يجذب فوراً مجموعات جديدة وجامحة من مناطق أخرى، في حين أن إبقاء الكلاب المعقمة والمطعمة في مكانها يمنع تمدد مجموعات شرسة جديدة، ويقلل السلوك العدواني تدريجياً، ويحاصر مرض السعار.

نموذج محلي يواجه تحديات مجتمعية وجغرافية

وفي سياق الممارسة الميدانية، يشرح الطبيب العام في بلدية رام الله ومسؤول قسم الصحة والبيئة، نضال كراجة، الآلية التنفيذية للبرنامج، مبيناً أن البلدية تمكنت حتى الآن من تعقيم 668 كلباً بين ذكور وإناث بإشراف طبيب بيطري مختص. ويوضح كراجة أن البرنامج يشمل رعاية الكلاب لمدة أسبوع بعد العملية قبل إعادتها إلى مناطقها، مع وضع علامة مميزة على أذن كل كلب توضح سنة التعقيم، تسهيلاً لمتابعته وتطعيمه سنوياً.
ويتطابق رأي كراجة العلمي مع رؤية المركز في أن إعادة الكلاب إلى أماكنها تمنع دخول كلاب أخرى غير معقمة إلى المنطقة، كما أن اللقاحات تحاصر السعار وتجعل الكلاب أقل عدوانية. ومع ذلك، يلفت كراجة إلى أن انتشار هذه الكلاب يرتبط مباشرة بسلوكيات مجتمعية بحاجة إلى ضبط، مثل ترك النفايات ومخلفات الطعام بجانب الحاويات أو إطعام الكلاب بشكل دائم في بعض المناطق، مما يؤدي إلى تجمعها وتكاثرها قرب الأحياء السكنية.
كما يشير كراجة لتحديات ميدانية واجتماعية تواجه عمل البلدية، أبرزها صعوبة الإمساك بالكلاب الضالة، واعتراض بعض المواطنين على إعادتها إلى الشوارع بعد تعقيمها، فضلاً عن تعرض الأقفاص المستخدمة للإتلاف أو السرقة. ويضيف أن البلدية تعمل حالياً على تطوير وسائل أكثر فاعلية للإمساك بالكلاب بما يضمن سلامة الحيوان ويحقق أهداف البرنامج دون الإضرار به، انسجاماً مع المعايير البيطرية الدولية.

نحو سياسة وطنية شاملة

يبدو أن التحدي لا تكمن معالمه في غياب الحلول، بل في آلية تطبيقها، فبرنامج التعقيم والتطعيم والإرجاع (TNR) مطبق بالفعل في مركز عين قينيا، إلا أن اقتصاره على مبادرة محلية يطرح تساؤلات جدية حول إمكانية تحويله إلى سياسة فلسطينية شاملة.
وفي هذا الصدد، يؤكد كراجة "أن نجاح هذه التجربة يتطلب تجاوز حدود العمل المحلي الضيق، مشدداً على الحاجة الماسة إلى بلورة سياسة وطنية موحدة تشارك فيها البلديات، ووزارة الزراعة، ووزارة الصحة، والجهات المختصة، عبر إنشاء مراكز متخصصة تستوعب الكلاب الضالة وتعتمد برامج تعقيم وتطعيم واسعة النطاق في مختلف المحافظات.
ويشير كراجة إلى أن البلدية تعمل حالياً بالتنسيق مع وزارتي الصحة والزراعة لمتابعة حالات عقر المواطنين، ومراقبة الكلاب المشتبه بإصابتها وإجراء الفحوصات اللازمة، إلى جانب عقد لقاءات مشتركة ضمت البلديات والأطباء البيطريين وجمعيات الرفق بالحيوان ومربي الكلاب لتطوير آليات إدارة هذا الملف.
بين إصابة طفلة في بيت عور، وجهود المتطوعين، ودعوات جمعيات ومراكز الرفق بالحيوان، وتجربة مركز عين قينيا، يبرز سؤال السياسة العامة من جديد: هل تبقى معالجة الكلاب الضالة مبادرات محلية متفرقة، أم تتحول إلى سياسة فلسطينية شاملة تحقق التوازن بين حماية المواطنين والحفاظ على حياة الحيوانات؟ وإذا نجحت هذه الشراكة في التطور والتوسع، فقد تتحول من حل محلي محدود الجغرافيا إلى تجربة وطنية تستفيد منها بقية المدن والبلدات الفلسطينية، بما يضمن حماية الإنسان والحفاظ على البيئة بطريقة إنسانية ومستدامة.

لا توجد تعليقات حتى الآن

لا تعليقات حتى الآن. بدء مناقشة جديدة.

أضف تعليق