العودة إلى المدونة

أسواق جنين: ضغوط وأزمات أمام حلول صعبة

5 دقائق قراءة 11 مايو 2026
أسواق جنين: ضغوط وأزمات أمام حلول صعبة

فالسوق التجاري في جنين لا يعتمد على الزبون المحلي فقط، بل يعتمد بشكل أكبر على المتسوقين من الداخل

جنين – صمود بواقنة – منصة ظل

قبل أن يرفع (مجدي. م) باب متجره في وسط مدينة جنين، يفتح هاتفه أولاً، ليتفحص: هل معبر الجلمة مفتوح اليوم أم مغلق؟ “إذا المعبر مسكر… بعرف من الصبح إنه اليوم خسارة.” يقول مجدي. فالسوق التجاري في جنين لا يعتمد على الزبون المحلي فقط، بل يعتمد بشكل أكبر على المتسوقين من الداخل، إذ تعج المدينة بالحركة مع فتح المعبر، وتعاني من ركود في ظل إغلاقه، والذي تكثف خلال الأعوام الأربعة الماضية، ما أنتج واقعاً تجارياً صعباً.
يضيف مجدي..." كان المحل ما يفضى من الزبائن" لكن مع تكرار الإغلاقات، تغير كل شيء تراجعت المبيعات بشكل كبير، وأصبحت الأيام تمضي بخسارة، وبدون تحقيق أي دخل ملموس، ما يزيد من ضغوط الحياة اليومية علينا، فهذا مصدر رزقنا الوحيد".
ويتابع : “هاي البضاعة كانت تنباع بيومين لما المعبر يفتح… هسا إلها شهور متكدسة”، فلم تعد المشكلة في توفر البضائع، بل في غياب من يشتريها، ما يعكس هشاشة الاقتصاد المحلي واعتماده على تدفقات خارجية لا يمكن السيطرة عليها.
يعاني اقتصاد مدينة جنين من تراجع حاد نتيجة ارتباطه بمؤثرات سياسية واقتصادية تؤثر عليه من خارج نطاقه، ولا تخضع للسيطرة المحلية. ويوضح رئيس الغرفة التجارية الصناعية، عمار أبو بكر، أن معبر الجلمة كان يشكل نحو 40% من الحركة الاقتصادية للمدينة، كما كان إسهام المتسوقين من الداخل حوالي 35% من إجمالي التدفقات المالية في السوق المحلي، فيما كان نحو 25 ألف عامل في الداخل يعودون بما يقارب 10ملايين شيكل يومياً.
وينوه أبو بكر إلى أن المدينة كانت تشهد انتعاشاً كبيراً في أيام السبت، حيث دأبت على استقبال ما بين ألفي وأربعة آلاف مركبة من الداخل أيام السبت تحديداً، وهو ما أتاح توسعاً كبيراً في عدد المحال التجارية، التي بنيت أساساً على هذا النمط من الاقتصاد المعتمد على المتسوق الخارجي.

الزراعة تعاني

ويؤكد م. ح أحد العمال في الداخل المحتل: "منذ أن توقفت عن العمل بالداخل، لم يعد لدي دخل ثابت، وحتى شراء الاحتياجات اليومية أصبح صعباً. كل شيء في المدينة تأثر، المحلات لا تبيع، والمزارعون لا يجدون من يشتري منتجاتهم"، وأشار العامل المنقطع عن عمله منذ أكتوبر عام 2023، " بنحس أنو صرنا رهائن لشي أكبر منا." مشدداً على أن توقف العمل في الداخل لا يؤثر فقط على دخل العامل ومعيشته المباشرة، بل يمتد أثره إلى الاقتصاد المحلي بأكمله، بعدة أشكال تمتد من انخفاض السيولة النقدية إلى تراجع المبيعات اليومية للمحال التجارية وتراكم المنتجات الزراعية.
وفي السياق، يعاني قطاع الزراعة في جنين، والذي ينظر إليه كمساحة اقتصادية بديلة، من غياب بنية تسويقية منظمة وضعف في دعم التعاونيات الزراعية، حيث لم تعد هذه التعاونيات قادرة على تجميع الإنتاج وخفض التكاليف والوصول للأسواق بسبب نقص التمويل وضعف الإدارة وغياب الربط الفعلي مع سلاسل القيمة. كما يواجه المزارعون تحديات إضافية، تشمل ارتفاع تكاليف الإنتاج، وصعوبة الوصول للمياه، وتقلبات الطلب المرتبطة بحركة المعابر، بما فيها معبر الجلمة، ما يزيد من ضغوط استمرار الزراعة كرافعة اقتصادية.
يشير رئيس تعاونية العنب، عمر نزال: " وزارة الزراعة والجمعيات المحلية لم تنجح في إيجاد بدائل حقيقية لتعويض المزارعين عن الخسائر، وتركهم في مواجهة مباشرة مع تقلبات السوق دون حماية مؤسسية كافية."
ويحذر نزال من أن المواسم القادمة قد تكون أسوأ في حال استمر غياب السياسات الفعالة والبدائل العملية. إذ كانت مصدراً رئيساً للمنتجات الزراعية للداخل، ما وفر دخلاً مستقراً للمزارعين وعزز مكانة القطاع الزراعي، بينما أدى غياب السياسات إلى تحويل الإنتاج الزراعي من رافعة اقتصادية إلى نشاط مهدد.
تكشف هذه المعطيات عن خلل بنيوي في السياسات التنموية الناظمة، حيث يظهر الاعتماد على الاستهلاك المفرط والمتسوقين من خارج المحافظة دون تطوير اقتصاد محلي مستقل ومنيع، وغياب بدائل تسويقية وإنتاجية محلية قادرة على امتصاص الصدمات إضافة إلى ضعف التنسيق بين الجهات الحكومية لحماية التجار والمزارعين من تقلبات السوق.

حلول استراتيجية.. صعبة لكن ممكنة

يشير المدير التنفيذي للهيئة الاستشارية لتطوير المؤسسات غير الحكومية في جنين، أحمد أبو الهيجاء إلى أن استمرار غياب بدائل إنتاجية وعدم وجود سياسات اقتصادية متكاملة يجعل جنين رهينة للتقلبات الخارجية، ويمنع التعافي الفعلي للاقتصاد المحلي. داعياً لضرورة طرح حلول عملية ومستدامة تهدف إلى حماية الأسواق، وتعزيز الإنتاج المحلي، ودعم الزراعة والتجارة في مواجهة الأزمات، منها على سبيل المثال تطوير اقتصاد إنتاجي مستقل، وإنشاء أسواق داخلية بديلة لتسويق المنتجات الزراعية والتجارية، إضافة إلى تعزيز التعاونيات الزراعية ودعمها مالياً وإدارياً، وبتوفير صناديق مستدامة لدعم للتجار والمزارعين في أوقات الأزمات، ووضع خطط اقتصادية موحدة وقابلة للتطبيق لضمان استقرار النشاط الاقتصادي. ويؤكد أبو الهيجاء أن التعافي الاقتصادي في مدينة جنين لن يكون ممكناً دون بناء قدرات إنتاجية محلية وسياسات اقتصادية متكاملة، وإلا سيظل كل نجاح مؤقتاً مرتبط بالمعابر والزوار.
تظل معاناة التجار والمزارعين انعكاساً مباشراً لضعف السياسات وغياب البدائل الاقتصادية المحلية، ما انعكس على النشاط التجاري والزراعي وأضعف استقرار الدخل اليومي للأسر. وفي ظل توافر إمكانيات اقتصادية واعدة، خاصة في القطاع الزراعي والصناعات التحويلية، تشكل جنين مساحة يمكن بناء منظومة سياسات محلية، مرتبطة بالسياسات الوطنية، لتأسيس اقتصاد مستقل إنتاجي.
لذلك يبقى التحدي الأكبر تحويل الدروس المستخلصة من الأزمة إلى سياسات عملية ومستدامة، تضمن استقرار الأسواق، دعم الزراعة، وتمكين التجار، بما يحمي المدينة من أي صدمات مستقبلية ويعيد لها القدرة على النمو الاقتصادي المستدام، ويجعلها أقل هشاشة أمام أي تقلبات سياسية أو اقتصادية مستقبلية.


لا توجد تعليقات حتى الآن

لا تعليقات حتى الآن. بدء مناقشة جديدة.

أضف تعليق