العودة إلى المدونة
سياسات اقتصادية

سوق الإعلام الفلسطيني: فوضى في التوظيف وعقود جائرة تطارد الخريجين الجدد

5 دقائق قراءة 17 يوليو 2026
سوق الإعلام الفلسطيني: فوضى في التوظيف وعقود جائرة تطارد الخريجين الجدد

تواجه منظومة إعداد وتشغيل خريجي الإعلام في فلسطين أزمة بنيوية مركبة، تتقاطع فيها فجوة المناهج الأكاديمية مع تقادم المنظومة التشريعية

تواجه منظومة إعداد وتشغيل خريجي الإعلام في فلسطين أزمة بنيوية مركبة، تتقاطع فيها فجوة المناهج الأكاديمية مع تقادم المنظومة التشريعية، وتراجع القدرة الاستيعابية للمؤسسات الإعلامية المحلية نتيجة تحولات السوق الرقمي. وتكشف أزمة الانتقال من المقاعد الجامعية إلى سوق العمل عن غياب السياسات الناظمة لقطاع التدريب، وسط غياب آليات المساءلة والحماية النقابية والحكومية للحقوق الاقتصادية للصحفيين الجدد.

فجوة المهارات وقوانين ما قبل الرقمنة

تختزل تجربة تسنيم سامر، الطالبة في دائرة الإعلام بجامعة بيرزيت، المعضلة التي تواجه الجيل الجديد من الخريجين، فرغم اجتيازها فترات تدريبية متقدمة في إذاعة "مونت كارلو الدولية" في باريس وإذاعة "أجيال" المحلية في رام الله، إلا أن تأمين فرصة عمل مستقرة لا يزال يمثل تحدياً جوهرياً. تقول تسنيم: "منحني التدريب مهارات ميدانية واطلاعاً على مدارس صحفية متعددة، لكن تأمين وظيفة ثابتة تصطدم بواقع تشغيلي معقد، يعتمد غالباً على فترات تدريب طويلة وغير مدفوعة الأجر".
تعود هذه الفجوة جزئياً إلى تباين الرؤى بين متطلبات السوق والمنهج الأكاديمي. يرى رئيس دائرة الإعلام السابق في جامعة بيرزيت، د. وليد الشرفا، "أن الدور الأساسي للجامعة لا ينبغي أن ينحصر في التدريب التقني الصِرف، بل يكمن في بناء التفكير النقدي والارتباط المفاهيمي لدى الطلبة. ويضيف الشرفا: "مهارات كالتصوير والمونتاج يمكن اكتسابها ذاتياً، في حين يكمن الفارق الحقيقي في تمكين الطالب من فهم العلاقة بين التقنية، اللغة، المؤسسة، السلطة، والأيديولوجيا، وهو ما أصطلح على تسميته (الخماسي المرعب) الحاكم للعملية الإعلامية".
بموازاة الفجوة المعرفية، يبرز القصور التشريعي كعقبة أساسية أمام استقرار القطاع، إذ لا يزال المشهد الإعلامي الفلسطيني محكوماً بقانون المطبوعات والنشر رقم (9) لسنة 1995، وهو إطار تشريعي يجمع خبراء على أنه بات عاجزاً عن مواكبة التحولات الرقمية السريعة والمنصات الحديثة. ورغم أن المادة (27) من القانون الأساسي الفلسطيني المعدل لعام 2003 كفلت حرية الرأي والتعبير وحظرت الرقابة على وسائل الإعلام، إلا أن هذه الضمانات ركزت على الحريات العامة، دون التدخل لإيجاد أطر تنظيمية تحمي الحقوق الاقتصادية والمهنية للخريجين، أو تحد من عشوائية التوظيف وساعات العمل غير المدفوعة تحت غطاء التدريب.

نزيف إعلاني وقصور نقابي في المساءلة

يتشابك العجز التشريعي مع أزمة اقتصادية خانقة تضرب المؤسسات الإعلامية المحلية، مما يضعف قدرتها على الاستيعاب والتشغيل. يوضح مدرّس ومدرب الإعلام في مركز تطوير الإعلام بجامعة بيرزيت، عماد الأصفر، "أن المؤسسات المشغلة تعاني من فقر مالي حاد جراء الهجرة الكاملة لسوق الإعلانات والدعاية نحو المنصات العابرة للحدود (مثل فيسبوك)، والتي تتسرب إليها الأموال دون تحصيل ضريبي من قبل السلطة الفلسطينية، فضلاً عن مزاحمة الإعلام الرسمي للمؤسسات الخاصة على الحصة الإعلانية الشحيحة المتبقية في السوق المحلي".
ويشير الأصفر إلى مؤشرات رقمية تعكس عمق الأزمة، حيث أشرف مركز تطوير الإعلام على مبادرة لتدريب وتشغيل 16 خريجاً وخريجة، لم يتمكن سوى 8 منهم فقط من الحصول على فرص عمل، جاءت معظمها في إطار عقود جزئية ومؤقتة تفتقر للاستقرار الوظيفي، ما يثبت كمّياً حالة الفوضى في قطاع التشغيل.
هذا الواقع يضع نقابة الصحفيين الفلسطينيين أمام محك المساءلة من قبل الخريجين الذين يشكون ضعف الدور النقابي في ضبط سوق التدريب والتشغيل، واقتصاره على الجوانب الحقوقية والسياسية. في المقابل، يوضح عضو الأمانة العامة لنقابة الصحفيين، منتصر حمدان، المحددات التي تحكم عمل النقابة، مبيناً أن النقابة تسعى منذ عام 2010 لبلورة استراتيجية تحديث شاملة للنظام الداخلي، لإنهاء العمل بقانون النقابة الأردني لعام 1952، والدفع باتجاه إقرار "قانون تنظيم مهنة الصحافة". ويؤكد حمدان أن هذا القانون يمثل المدخل الأساسي لفرض شهادة مزاولة المهنة، وإنهاء فوضى التدريب المجاني، وحماية السوق من الإغراق والتعويم.
يقر حمدان بوجود فجوات تنظيمية تسمح باستغلال المتدربين عبر عقود جائرة، لاسيما في بعض المكاتب الدولية والمحلية، مؤكداً أن معالجة ملف التدريب غير مدفوع تتطلب تكاملاً مؤسسياً بين النقابة ووزارتي العمل والثقافة (باعتبارها الجهة المسؤولة عن تراخيص وسائل الإعلام المرئية والمسموعة). كما يكشف حمدان عن تطلع النقابة لتبني سياسات جديدة، من أبرزها مأسسة لجان تلقي الشكاوى العمالية، وتأسيس مركز للتدريب الإعلامي بإشراف تشاركي لضبط جودة المخرجات.

بدائل سياساتية وتكامل مؤسسي

تتطلب معالجة هذه الأزمة البنيوية صياغة حزمة من البدائل السياساتية والإجراءات التنفيذية المشتركة بين الجهات الحكومية والنقابية والأكاديمية، تبدأ بإلزام وزارة الثقافة بربط تجديد تراخيص المؤسسات الإعلامية بمدى التزامها بالحد الأدنى للأجور وإبرام عقود عمل قانونية تخضع لرقابة دورية من مفتشي وزارة العمل. ويتوازى ذلك مع ضرورة فرض ضوابط وتدابير ضريبية على الإعلانات الرقمية الموجهة للسوق الفلسطيني عبر المنصات الدولية العابرة للحدود وتوجيه عائداتها لدعم صندوق سيادي مخصص لتحفيز الاستدامة المالية للمؤسسات الإعلامية المستقلة والمحليّة. ومن المهم الإشارة إلى أن نقابة الصحفيين، وبدعم من الاتحاد الدولي للصحفيين ومشاركة الحكومة الفلسطينية كانت قد أعلنت عن قيادة جهود وطنية لتأسيس صندوق وطني لدعم الإعلام يؤدى هذا الغرض، وهي خطوة بحاجة لإقرار قانون تنظيم عمل الصندوق بشكل رسمي ونهائي.
كما يبرز مقترح مأسسة "الامتياز التدريبي" كخطوة جوهرية عبر إقرار برنامج وطني إلزامي يمتد لستة أشهر كحد أدنى، تلتزم فيه المؤسسات الشريكة بتقديم مكافآت مالية مقطوعة للمتدربين بموجب اتفاقية ثلاثية تجمع الجامعات والنقابة ووزارة العمل، بما يضمن ردم الفجوة بين المساق الأكاديمي والتطبيق المهني دون تعريض الخريجين الجدد للاستغلال.
ورغم محورية هذه المقترحات، يختتم منتصر حمدان بالإشارة إلى "أن الظروف الميدانية الاستثنائية والانتهاكات المتصاعدة ضد الصحفيين الفلسطينيين فرضت على النقابة إعادة ترتيب أولوياتها بشكل قسري، حيث تتركز الجهود الراهنة على توفير الحماية والدعم للعاملين في الميدان، بالتوازي مع مواصلة الضغط لإقرار السياسات التنظيمية بعيدة المدى لتأمين مستقبل الخريجين الجدد".

لا توجد تعليقات حتى الآن

لا تعليقات حتى الآن. بدء مناقشة جديدة.

أضف تعليق