العودة إلى المدونة

التجارة الإلكترونية في فلسطين: ملاذ "الأونلاين" أمام تحديات الضرائب

5 دقائق قراءة 21 مايو 2026

أطلقت الشابة روان برفقة شقيقتها مشروعهما الصغير لبيع ملابس الأطفال عبر الإنترنت، يومان حتى اندلعت الحرب على قطاع غزة وامتدت تداعياتها الخانق

نابلس – سجى أبو لحية- منصة ظل

في الخامس من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، أطلقت الشابة روان برفقة شقيقتها مشروعهما الصغير لبيع ملابس الأطفال عبر الإنترنت، يومان حتى اندلعت الحرب على قطاع غزة وامتدت تداعياتها الخانقة إلى الضفة الغربية، لتترك المشروع يواجه مصيراً مجهولاً.
تصف روان واقع مشروعها: "بعد أشهر قليلة من الانطلاق، جمدت الحرب مشروعنا لستة أشهر كاملة، على الرغم من أننا استوردنا بضائع بتكلفة مرتفعة، لكن الحركة التجارية انعدمت تماماً في ظل الواقع الاقتصادي وصعوبة النقل بين محافظات الضفة الغربية". وخلال أعوام الحرب الثلاث، تفاقمت أزمة البيع الإلكتروني نتيجة تراجع القوة الاقتصادية وارتفاع تكاليف النقل، وزاد من هذه الأزمة صدور القرار بقانون رقم (21) لسنة 2025م بشأن التجارة الإلكترونية، بما حمل من انعكاسات ضريبية.
وبهذا الواقع، يتصاعد قلق أصحاب المشاريع متناهية الصغر؛ فبالنسبة لروان، لا يبدو القرار في هذا التوقيت إجراءً إدارياً تنظيماً، بل "صدمة وقراراً بالإغلاق المؤجل"، مؤكدة: "إذا طُبق القانون ففرصة استمرار مشروعنا ستصبح ضعيفة للغاية؛ فالضرائب في ظل هذا الركود تعد إجحافاً بحقنا، والأرباح بالكاد تغطي التكاليف الأساسية".
يكشف هذا المشهد عن أزمة أعمق تتجاوز الأرقام؛ وهي اتساع فجوة الثقة بين الشباب الذين استثمروا مدخراتهم في "اقتصاد رقمي بديل" بحثاً عن الصمود، وبين أدوات التنظيم والجباية الرسمية.

انكماش اقتصادي وتضاعف التكاليف

تعكس البيانات الرسمية والميدانية حجم المعاناة الهيكلية التي تضرب هذا القطاع الناشئ بالتزامن مع تداعيات العدوان المستمر. وفي هذا السياق، يشير مدير السياسات والتخطيط في وزارة الاقتصاد الوطني، رشاد يوسف، إلى "انكماش الناتج المحلي الإجمالي في فلسطين بنسبة تتراوح بين 23% و24% منذ بدء الحرب"، لافتاً إلى أن هذا الانكماش ترافَق مع تضاعف زمن سلاسل الإمداد والتوريد بشكل غير مسبوق.
هذا التدهور الهيكلي انعكس مباشرة على حركة المشاريع الصغيرة؛ إذ توضح الريادية روان أن مدة وصول الشحنات المستوردة من الصين قفزت من 40 يوماً إلى 105 أيام (نحو ثلاثة أشهر ونصف)، ما أدى إلى تجميد السيولة النقدية وتلف البضائع المرتبطة بالمواسم والمناسبات. علاوة على ذلك، يواجه المستهلك الفلسطيني عبء تكاليف تشغيلية مضافة، حيث تصل تكلفة توصيل الطلب الواحد داخل المحافظة إلى 25 شيكلاً، وهو رقم مرشح للارتفاع المطرد مع القفزات المتتالية في أسعار الوقود والقيود المفروضة على الحركة بين المحافظات.

أزمة الخزينة ومقومات البقاء

في المقابل، يفكك الخبير والمحلل الاقتصادي، د. ثابت أبو الروس، الوجه الآخر للأزمة المتمثل في "نزيف الخزينة العامة"، موضحاً أن الهدف الجوهري من الأدوات المطروحة ليس فرض ضرائب جديدة بقدر ما هو "تحسين وسائل الجباية وتشديد الرقابة على الممارسات التجارية".
ويشير أبو الروس إلى وجود ثغرات في عمليات الاستيراد والتخليص؛ إذ يجري استيراد حاويات من الخارج بقيمة فعلية تصل إلى 40 أو 50 ألف دولار، في حين تُسجل في البيانات الجمركية بـ 8 آلاف دولار فقط، وهو تلاعب يستنزف الإيرادات العامة للدولة ويهدر حقوقها المالية.
من جهته، يوضح رشاد يوسف أن "قانون التجارة الإلكترونية" جاء بعد مسار طويل من النقاشات السياساتية استمر لأكثر من عامين، بهدف تحقيق "العدالة الضريبية" وحماية المستهلك الرقمي وتوفير مظلة قانونية للمعاملات. إلا أن توقيت طرح القانون يتقاطع مع أزمة مالية خانقة تعيشها السلطة الوطنية جراء قرصنة الاحتلال لإيرادات المقاصة وتراجع دعم المانحين الدوليين.
ويؤكد د. أبو الروس أن السلطة تعتمد تاريخياً على ثلاثة مصادر دخل أساسية: (إيرادات المقاصة، دعم المانحين، والضرائب غير المباشرة). وفي ظل جفاف المصدرين الأولين، لم يتبقَ للخزينة سوى الضرائب غير المباشرة، وفي مقدمتها ضريبة القيمة المضافة (وهي ضريبة مبيعات تُفرض على القيمة المضافة في السلع والخدمات خلال مراحل إنتاجها وتوزيعها). ويرى أبو الروس أن القانون جاء محاولةً لسد العجز المالي وضمان استمرارية المؤسسات؛ غير أن هذا التوجه المالي يغفل في بعض جوانبه خصوصية "الأعمال المنزلية الرقمية" والنساء اللواتي وجدن في شبكات التواصل الاجتماعي وسيلة وحيدة للصمود الاقتصادي في ظل انعدام الأمن الوظيفي.

نحو حاضنة ضريبية عادلة

يثير تطبيق مبدأ "ضريبة القيمة المضافة المنقولة" جدلاً واسعاً؛ فمن منظور الخبراء، فإن التاجر الذي يتهرب من إصدار الفاتورة الضريبية يحول الضريبة المحصلة من المواطن إلى ربح شخصي غير مشروع، بينما يظل المستهلك النهائي هو الضحية الذي يحرم من الضمانات القانونية للسلعة. ومع ذلك، فإن الواقع الميداني يكشف عن "ارتباك رقمي"، ما يجعل إجراءات فتح "الملف الضريبي" عبئاً إدارياً ومالياً يفوق قدرة المشاريع متناهية الصغر التي تفتقر للمخازن والمحاسبين.
وتبرز عقبات التنفيذ الحالية في ثلاثة تحديات رئيسية: أولاً، المساواة غير العادلة بين المشاريع المنزلية الصغيرة والمحال التجارية الكبرى ذات الأصول الثابتة والموظفين. ثانياً، خطر انتشار "الصفحات الوهمية" والأسماء المستعارة هرباً من الرقابة، ما يفقد القانون قيمته التنظيمية. ثالثاً، غياب آليات دعم الشباب وحاضنات الأعمال التي تحمي "حق الريادي في الفشل" والتعلم قبل إثقاله بأجور المحاسبين القانونيين وضريبة الدخل في مراحل مشروعه الأولى.

حلول ممكنة

إن هذا الواقع يتطلب منح فترة سماح وإعفاء للمشاريع الناشئة والمنزلية، من الجيد أن تصل إلى حوالي سنة، لتمكينها من اختبار جدوى المشروع قبل إخضاعها للالتزامات الضريبية. كما يشكل التطبيق الضريبي المتدرج، يبدأ بنسب منخفضة وتصاعدية للتجارة الإلكترونية، مساراً ضرورية لمنع صدمة هذا القطاع، إلى جانب مسار مستمر للتوعية والتمكين الإدارية عبر حاضنة متخصصة لتدريب الرياديين على الإجراءات المحاسبية المبسطة، بما يضمن حماية حقوق المستهلك والريادي على حد سواء.


سجى أبو لحية
بقلم

سجى ابو لحيه صحفية تعمل منذ ثلاث سنوات على قضايا الشباب والحوار المجتمعي والتمكين، تركز على إنتاج التقارير والقصص وإنتاج حلقات البودكاست بالإضافة الى إدارة صفحات وسائل التواصل الاجتماعي. مدافعة عن حقوق الانسان وناشطة شبابية ومجتمعية وعضو في عدد من مؤسسات المجتمع المدني.

عرض جميع المقالات
لا توجد تعليقات حتى الآن

لا تعليقات حتى الآن. بدء مناقشة جديدة.

أضف تعليق