العودة إلى المدونة

جيب المواطن يمول الغلاء والأسواق بلا ضبط رادع

5 دقائق قراءة 21 مايو 2026

أمام أرفف أحد المتاجر، يحاول المواطن فؤاد هليل مراجعة حساباته المالية متخلياً عن بعض السلع الأساسية لعائلته، تحت وطأة الضغط الاقتصادي

نابلس- هلا الفارس- منصة ظل

أمام أرفف أحد المتاجر في مدينة نابلس، يحاول المواطن فؤاد هليل مراجعة حساباته المالية متخلياً عن بعض السلع الأساسية لعائلته، بعدما استنزف الارتفاع المستمر في الأسعار قدرته الشرائية. يشير هليل إلى الزيادات الصادمة التي أثقلت كاهل الفلسطينيين وانعكست على أسعار السلع الأساسية، كالخبز والدجاج والخضراوات، قائلاً: "لتر الديزل زاد بمقدار شيكلين ليصل إلى 8 شواكل، وأسطوانة الغاز ارتفعت من 70 إلى 90 شيكلا".
وفي مدينة رام الله، لا يختلف المشهد كثيراً؛ إذ تعبر السيدة "أم كنان" عن قلقها من تهميش العامل والموظف البسيط الذي يدفع ثمن إجراءات لا يلمس أثرها على أرض الواقع، محذرة بلهجة لا تخلو من اليأس: "إذا استمر الوضع على هذا النحو، فنحن نتجه نحو مستقبل مظلم.. حتى لقمة عيش أبنائنا باتت مهددة".
أمام أسعار السوق المنفلتة وضعف أدوات الرقابة، يجد المواطن الفلسطيني نفسه ضحية لسياسات اقتصادية تبدو على الورق محكمة، لكنها تترك جيوبه مستنزفة في الواقع اليومي.

نصوص قانونية تصطدم بضعف الإمكانيات الميدانية

تستند السياسات الرقابية لحماية المواطن الفلسطيني إلى قانون "حماية المستهلك" رقم (21) لعام 2005، الذي يمنح الإدارة العامة المختصة في وزارة الاقتصاد الوطني صلاحيات تنظيم الأسواق وضبط الأسعار بهدف تحقيق "الأمان الاستهلاكي" ومنع الاحتكار.
يؤكد المدير العام للإدارة، إبراهيم القاضي، أن سياسة الوزارة تتبع نظام "السوق الحر" الخاضع لضوابط تحد من الاحتكار وتسمح بالتدخل لتحديد سقف أسعار السلع الأساسية، بينما تُترك بقية السلع لآلية العرض والطلب والمنافسة العادلة.
لكن التساؤل يبقى قائماً حول قدرة القانون على ردع انفلات الأسعار، خاصة في ظل محدودية قدرات أطقم التفتيش. وهنا يوضح القاضي أن الإدارة تجري نحو 400 جولة رقابية شهرياً في محافظات الضفة الغربية، تعتمد على نظام "إدارة المخاطر"، إضافة إلى إطلاق منصة "بهمنا" والخط الساخن (129) لاستقبال الشكاوى. ورغم هذه الجهود، تواجه فرق الرقابة نقصاً حاداً في الكادر البشري وفق ما يقول القاضي؛ إذ لم تُجرَ أي تعيينات جديدة منذ قرابة ثلاث سنوات نتيجة سياسات التقشف وأزمة أموال المقاصة.
وتعكس لغة الأرقام عمق الأزمة؛ إذ أظهرت بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني لشهر كانون الثاني/يناير 2026 تضخماً ملموساً، حيث سجل الرقم القياسي العام لأسعار المستهلك ارتفاعاً بنسبة 1.11% خلال شهر واحد فقط. وانعكس ذلك مباشرة على السلع الأساسية في الضفة الغربية، بارتفاع أسعار الخضروات الطازجة بنسبة 21.09%، والفواكه الطازجة بنسبة 6.65%. ولم تسلم مدينة القدس المحتلة من هذا الارتفاع، حيث بلغت أسطوانة الغاز 135 شيكلا، بينما سجلت في قطاع غزة أرقاماً كارثية وصلت إلى 544 شيكلا نتيجة ظروف حرب الإبادة والحصار الجاثم.

حواجز الاحتلال و"أغنياء الحروب" تضاعف فاتورة المستهلك

لا تقتصر الأزمة على ضعف الرقابة الداخلية، بل تمتد لتشمل خللاً هيكلياً في بنية الاقتصاد الفلسطيني، إذ يشير الخبير والمحلل الاقتصادي، ثابت أبو الروس، إلى بروز ظاهرة "أغنياء الحروب"؛ تُجار يستغلون الأزمات السياسية لخلق طلب وهمي على السلع الحيوية، كالمحروقات والغاز، لرفع أسعارها وتحقيق أرباح مضاعفة.
ويضيف أبو الروس أن الاقتصاد الفلسطيني يعاني من تشوه في "الميزان التجاري"، لسهولة الاستيراد مقارنة بالإنتاج، وارتهان السلطة الفلسطينية لأموال المقاصة التي تشكل ما يقارب 60% من إيراداتها. ويشكل الاحتلال الإسرائيلي العائق الأبرز أمام أي استقرار سعري؛ ففلسطين مقيدة بـ "غلاف جمركي" واحد وفق بروتوكول باريس الاقتصادي. ويوضح القاضي أن هذا الارتباط يحرم الفلسطينيين من التحكم في أسعار السلع أو فرض سياسات جمركية حمائية، ناهيك عن تقلبات سعر صرف الدولار مقابل الشيقل.
وعلى الصعيد الميداني، فاقمت الحواجز والإغلاقات الإسرائيلية تكاليف النقل الداخلي بشكل جنوني. يبين أبو الروس أن تكلفة نقل شاحنة بضائع من طوباس إلى رام الله قفزت من 800 شيقل (في رحلة كانت تستغرق ساعات قليلة) إلى نحو 6000 شيقل (في رحلة تستغرق أياماً). يضاف إلى ذلك التحدي الأكبر المتمثل في مناطق "ج"، التي تشكل نحو 67% من مساحة الضفة؛ إذ تحولت إلى منافذ لتهريب البضائع من الجانب الإسرائيلي دون خضوعها للضرائب، مما يسبب هدراً ضريبياً يقدر بنحو 16%، ويخلق حالة من الفوضى السعرية وانعدام الرقابة على الجودة.

مداخل أساسية لاستقرار وعدالة الأسواق

للانتقال بأسواق الضفة الغربية وقطاع غزة نحو حالة من الاستقرار، تتطلب المرحلة مراجعة شاملة لسياسات حماية المستهلك التابعة لوزارة الاقتصاد الوطني. وتبرز هنا عدة مسارات سياساتية يمكن البناء عليها لحماية المواطن، منها تحديد أسعار استرشادية تراعي التفاوت في غلاء المعيشة وقدرات المواطن الاقتصادية والقيود أمام سلاسل التوريد بين المحافظات، وتعزيز الحماية القانونية بتفعيل أدوات رادعة وتوسيع صلاحيات مأموري الضبط القضائي للرقابة على الأسواق، ومكافحة الاحتكار الهيكلي عبر استهداف الاحتكارات وتتبع المستوردين الأساسيين، ودعم الإنتاج المحلي بالارتكاز على صغار المنتجين والمزارعين.
إن نجاح سياسات حماية المستهلك عبر كبح جماح السوق وتوفير السلع بأسعار عادلة، مدخل إجباري لاستقرار اجتماعي وصمود اقتصادي.
هلا مهدي الفارس
بقلم

مراسلة صحفية، متخصصة في إعداد التقارير الميدانية وتوثيق قصص المواطنين. أسعى إلى تقديم محتوى يعكس الواقع ويترك أثرًا إيجابيًا في المجتمع

عرض جميع المقالات
لا توجد تعليقات حتى الآن

لا تعليقات حتى الآن. بدء مناقشة جديدة.

أضف تعليق