العودة إلى المدونة

تحديات مربي الأغنام في الأغوار: ارتفاع التكاليف وتقليص المساحات الرعوية
مع كل يوم جديد، يستيقظ أنور صوافطة إلى ذات الهاجس، إذ يحاول الصمود في مهنته كراع، والتي تواجه تحديات متصاعدة منها ارتفاع تكاليف مدخلات الإنت

طوباس - ولاء صوافطة - منصة ظل
يستيقظ أنور صوافطة في الأغوار الشمالية على هاجس البقاء، محاولاً الصمود في مهنته كراعٍ، والتي تتآكل مقومات استمرارها يومياً أمام توحش تكاليف الإنتاج، والحصار المطبق على المساحات الرعوية. يراقب صوافطة قطيعه بحسرة، موثقاً انهياراً رقمياً يعكس أزمة القطاع بأكمله؛ إذ تراجع إنتاجه من الحليب من 95 لتراً يومياً إلى بالكاد 35 لتراً. هذه الخسارة التي تبتلع ثلثي إنتاجه تتقاطع مع قفزة جنونية في أسعار الأعلاف التي لامست حاجز الـ 2000 شيكل للطن الواحد، ما يحول مهنة الرعي من مصدر للدخل إلى استنزاف مالي يومي.
لا تقف المعاناة عند حدود الاقتصاد، بل تصطدم بجدار المنع الأمني والعنف الممنهج. فقد مُنع صوافطة وعائلته من الوصول إلى المراعي المفتوحة خمس مرات خلال الأشهر الأخيرة، وفُرضت عليهم غرامات مالية انتقامية وعقابية بلغت نحو 9 آلاف شيكل، وهو مبلغ يفوق طاقة أي راعٍ على التحمل في ظل خاصة مع واقع اقتصادي عام صعب. وتتجاوز ضريبة التمسك بهذه المهنة المال لتصل إلى الاعتداء الجسدي المتكرر، حيث يتعرض وأفراد من عائلته لإصابات جسدية خلال محاولاتهم الوصول للمراعي، ما يرفع من فاتورة المخاطر اليومية ويدفع العائلة للتفكير جدياً في مستقبلهم. واقع تؤكده المزارعة حسنة صوافطة، التي تشير إلى أن تآكل الدخل المضطرد والعجز عن تأمين أثمان الأعلاف بات يهدد الوجود الديموغرافي والاقتصادي للثروة الحيوانية في الأغوار الشمالية برمتها.
حصار الجغرافيا: فقدان 40% من القطعان وانهيار الإنتاج
تنسحب هذه المآسي الفردية على مشهد هيكلي أوسع، يحذّر منه مدير دائرة الزراعة في الأغوار، عمر صوافطة، مؤكداً أن هذا التضييق يخلق تحدياً بنيوياً يضرب عصب الثروة الحيوانية في واحدة من أهم سلالها الاستراتيجية. وتكشف لغة الأرقام عن كارثة صامتة؛ إذ أدى تقلص المساحات الرعوية إلى تراجع أعداد الأغنام من نحو 30 ألف رأس إلى 18 ألفاً، ما يعني إبادة أو فقدان حوالي 40% من القطعان. هذا الانهيار يُترجم ميدانياً بخسارة تتراوح بين 30% إلى 40% من إجمالي إنتاج الحليب، ليفقد المزارع نصف دخله اليومي تقريباً، مدفوعاً نحو هجرة قسرية للمهنة.
وتكتمل حلقات هذا الحصار المكاني مع تقلص عدد التجمعات الرعوية في الأغوار الشمالية من 22 تجمعاً إلى 10 تجمعات فقط، كنتيجة مباشرة للتضييق على الحركة والتهجير الجزئي. فقدان المزارعين لأكثر من نصف مواقع الرعي أجبرهم على اللجوء إلى "التربية المغلقة" وحصر الأغنام داخل الحظائر، ما أدى إلى مضاعفة استهلاك الأعلاف المصنعة التي قفزت تكلفتها من شيكل واحد للكيلو في فترات سابقة إلى نحو 3.5 شيكل. هذا النمط الإجباري من التربية لا يستنزف جيوب المزارعين فحسب، بل يرفع من مخاطر تفشي الأمراض ويضعف المناعة البيولوجية والاقتصادية للقطيع.
"العنف غير المرئي" وفجوة الحماية الحكومية
أمام هذا الاستهداف المباشر، يبرز القصور في السياسات العامة كعامل يضاعف من هشاشة المزارعين. يصف الباحث في شؤون الأغوار الشمالية، أحمد حنيطي، ما يتعرض له الرعاة بـ "العنف غير المرئي"؛ حيث يُتركون عزلاً بلا حماية أمنية أو سياساتية أمام اعتداءات تطال حيواتهم وممتلكاتهم. ويشير حنيطي إلى أن التدخلات الحكومية والمؤسساتية لا تزال قاصرة عن تشكيل "شبكة أمان" حقيقية، موضحاً أن الأزمة المالية للسلطة الفلسطينية تُتخذ كمبرر لغياب تعويضات حقيقية عن تدمير الحظائر أو سرقة المواشي، وعن غياب الدعم الاستراتيجي لمدخلات الإنتاج كالأعلاف.
ويؤكد حنيطي أن هذا التجاهل لقطاع يمثل ركيزة للأمن الغذائي المحلي، خلق فجوة سحيقة بين احتياجات الصمود الفعلي وسياسات الدعم الورقية، مشدداً على ضرورة إحداث انقلاب في الأولويات الحكومية. ويقترح تدابير سياساتية عاجلة، تبدأ بخفض الضرائب على الأعلاف، وتوفير بيئة حاضنة للإنتاج، والانتقال من مربع "الإغاثة المؤقتة" إلى الدعم المستدام الذي يضمن بقاء المزارع في أرضه كفعل مقاومة ووجود.
سياسات متناثرة وضرورة التحول نحو الصناديق المتخصصة
يقر مدير دائرة الزراعة، عمر صوافطة، بغياب سياسة وطنية متكاملة ومستدامة تحمي هذا القطاع. ورغم التدخلات التي تنسقها الوزارة مع المؤسسات الدولية—والتي تشمل توزيع الأعلاف، الحقائب البيطرية، الحليب الجاف، والشوادر—إلا أنها تظل تدخلات "متناثرة" وموسمية، محكومة بتوفر التمويل الخارجي وتتأثر بالأزمة المالية الحكومية، ما يؤدي إلى تأخير المساعدات لأشهر حاسمة. كما أن التحديات اللوجستية، المتمثلة في صعوبة الوصول للمناطق المهمشة بفعل مضايقات الاحتلال، تعيق إيصال الخدمات البيطرية في أوقات ذروة الحاجة إليها.
في المحصلة، تتجاوز قصة أنور وحسنة صوافطة حدود المعاناة الشخصية لتصبح وثيقة إدانة لسياسات تترك المزارع وحيداً في خط المواجهة الأول. إن إنقاذ هذا القطاع من الاندثار يتطلب قراراً سيادياً يغادر مربع المشاريع الإغاثية المجزأة، ويتجه نحو تأسيس "صندوق دعم وطني ثابت ومستدام"، تشارك فيه الحكومة والقطاع الخاص والمانحون، لتوفير تأمين شامل للمزارعين ضد تقلبات الأسعار والاعتداءات. إن حماية الثروة الحيوانية في الأغوار لم تعد مجرد مسألة زراعية بحتة، بل هي المعركة الحقيقية للدفاع عن الجغرافيا الفلسطينية؛ معركة لا تُكسب بالتصريحات، بل بسياسات تمويلية حازمة تحول المزارع من ضحية تنتظر الإغاثة إلى حارس مستدام للأرض.
لا تعليقات حتى الآن. بدء مناقشة جديدة.