العودة إلى المدونة
سياسات إشراك الشباب الفلسطيني: تحديات تجربة المجلس الوطني الشبابي الفلسطيني
تستهل الناشطة ميران البرغوثي رؤيتها للمجلس الوطني الشبابي من واقع تجربتها كشابة "بتعيش تفاصيل هالبلد بكل تعقيداتها"؛ إذ لا تراه مجرد هيكل ل
سياسات إشراك الشباب الفلسطيني: تحديات تجربة المجلس الوطني الشبابي الفلسطيني
رام الله- دانيا كحلة – منصة ظل:
تستهل الناشطة ميران البرغوثي رؤيتها للمجلس الوطني الشبابي من واقع تجربتها كشابة "بتعيش تفاصيل هالبلد بكل تعقيداتها"؛ إذ لا تراه مجرد هيكل للمسميات أو الكراسي، بل فرصة حقيقية لرفع صوت جيلها، بشرط أن يكون المجلس "على قدر المسؤولية اللي بنحملها بقلوبنا". وتشير بمرارة إلى اصطدام طموح الشباب بـ "الصورة النمطية" التي تعتمد معيار العمر الزمني بدلاً من "حجم التجربة والوجع اللي عشناه".
من جانبه، يصف الناشط السياسي والاجتماعي سيف عقل هذا المجلس بأنه "مبادرة جيدة" من القائمين عليها، مستبعداً أن تتجاوز في جوهرها هذا الطرح الرمزي. ويتفق عقل مع البرغوثي في انتقاد تهميش الشباب بدعوى نقص الخبرة، واصفاً هذه الحالة بـ "الخبرة العمرية التي تسمو على خبرة التجربة".
وحول واقع التغييب السياسي، توضح البرغوثي أن أغلب الشباب الفلسطيني باتوا اليوم "مغيبين" عن ساحة القرار ليس زهداً فيها، بل لأن الواقع السياسي والاجتماعي، مضافاً إليه "الخنق الاقتصادي"، وضعهم أمام مقايضة وجودية صعبة: "يا بتلحق لقمة عيشك وتأمن يومك، يا بتطالب بحقوقك وحرياتك". وكأن الحياة تفرض عليهم قانوناً قاسياً: "بدك تعيش؟ انسى السياسة". هذا المناخ دفع فئة واسعة للانكفاء على الذات، فمن يحاول التغيير سرعان ما يصطدم بـ "جدار الرفض المجتمعي" ويستسلم، لأن "النفس الطويل بصير صعب لما تحس إنك لحالك."
وفي سياق تحليل أسباب العزوف السياسي، يرى عقل أن الهياكل المؤسساتية في المجتمع الفلسطيني "تحتم على الشباب عدم المشاركة"؛ فإلى جانب سيطرة "المنطق العمري"، يبرز انعدام الثقة بالتنظيمات السياسية القائمة التي تهمش الشباب. وحتى المنخرطين في العمل الحزبي، لا يُنظر إليهم كشركاء بل من منظور "الوصاية".
وتتساءل البرغوثي: "يا ترى صوتي رح يوصل؟ هل أنا فعلاً قادرة أغير ولو شعرة بهالواقع؟". وتؤكد أن هذا الشعور باليأس ليس علامة ضعف، بل نتيجة طبيعية لمن "يحارب طواحين الهواء". مستدركة أنو وجود قلة من الشباب أصرت على حجز موقعها بقوة هو ما يبقي باب الأمل موارباً لفرصة أفضل للشباب في المستقبل.
وتختتم البرغوثي بالتأكيد على أن هذا الجيل الذي "دفع الثمن غالي"، يمتلك الحق الأصيل في أن يكون هو من يرسم ملامح الغد، بدلاً من البقاء في مقاعد "الجمهور" الذي يراقب قرارات مصيرية تخص حياته ومستقبله دون أن يكون له فيها أدنى كلمة.
المجلس الوطني الشبابي الفلسطيني: بين طموح التمثيل ومعضلة الدور الوظيفي
تبلورت فكرة المجلس الوطني الشبابي الفلسطيني استناداً إلى نماذج البرلمانات الشبابية العالمية، حيث انطلقت جهود التأسيس في النصف الأخير من عام 2025. وقد شملت هذه الجهود دعوة كافة المؤسسات الشبابية الشريكة مع المجلس الأعلى للشباب والرياضة، بما فيها مؤسسات القدس والشتات، لترشيح ممثليها ضمن مسارٍ ديمقراطي أفضى إلى انتخاب الهيئات العامة وأعضاء المجلس المركزي.
وفي 19 كانون الثاني/يناير 2026، أُعلن رسمياً عن انطلاق هذا الكيان، ليكون ذراعاً تنفيذية ومنصةً تمثيلية تهدف إلى نقل احتياجات الشباب الفلسطيني إلى المجلس الاعلى، وضمان عدالة توزيع التمويل المخصص للقطاع الشبابي وفق معايير شفافة وعادلة.
إلا أنه، وفي سياق الأهداف المعلنة التي تضع المجلس كـ "ذراع تنفيذي" للمجلس الأعلى، يبرز تساؤل جوهري حول الهوية والوظيفة: كيف يمكن لبرلمان شبابي، يُفترض به أن يكون كياناً مستقلاً وشريكاً أصيلاً في صياغة السياسات العامة، أن ينضوي تحت عباءة جهة أخرى كأداة تنفيذية؟ إن هذا التداخل التنظيمي يفتح باب النقاش حول قدرة المجلس على ممارسة دوره الرقابي والتشريعي بفاعلية، بعيداً عن كونه مجرد حلقة وصل إدارية، لضمان استقلالية الصوت الشبابي وقدرته على التأثير الحقيقي في القضايا الوطنية والمجتمعية.
واقع الشباب الفلسطيني: بين التهميش السياسي ومأزق التمويل المستقل
يشكل الشباب في الفئة العمرية (18-29 عاماً) خُمس المجتمع الفلسطيني، بنحو 1.2 مليون شاب وشابة ؛ وهم الفئة التي تحملت العبء الأكبر جراء العدوان الإسرائيلي وتداعياته المستمرة. ومع ذلك، تكشف المؤشرات الإحصائية لعام 2025 عن حالة "عزوف جماعي" عن المشاركة السياسية؛ حيث يطمح أكثر من ربع الشباب للهجرة، بينما لا تتجاوز نسبة المنخرطين في أحزاب سياسية الـ 6% فقط، في ظل قناعة بعجز الهياكل القائمة عن كسر الركود السياسي.
وفي تحليل أعمق لهذا العزوف، يرى الناشط عقل أن المشكلة تكمن في أن كافة مؤسسات صنع القرار السياسي الفلسطيني تتقيد بـ "هرم تنظيمي صلب" يفتقر أصلاً لأي نوع من التمثيل الشبابي الممنهج. ويؤكد عقل أن وجود الشباب في هذه المؤسسات- إن وجد- فهو لا يعدو كونها "حالات فردية" قائمة على تميز الفرد الشخصي، وليست نتاج مشاركة مؤسساتية فعلية.
ويذهب عقل أبعد من ذلك في نقده للأحزاب (يمينية أو يسارية)، مشيراً إلى خلو رؤوس هرم اتخاذ القرار فيها من فئة الشباب. ويفسر هذه الحالة بأنها نتاج "تضارب مصالح"؛ حيث ترى النخبة "الكبيرة عمرياً" في إشراك الشباب تهديداً لمكتسباتها وتقليصاً لمصالحها الشخصية والتنظيمية، مما يحول دون حدوث أي تجديد حقيقي في النخب السياسية.
وفي ظل هذا الواقع، تبرز قيمة الموازنة المخصصة لقطاع الشباب، والتي لا تتجاوز 0.41% من إجمالي الموازنة العامة لعام 2025 (نحو 76 مليون شيكل)، خُصص منها قرابة 16 مليون شيكل فقط للبرامج الشبابية. وهنا يطرح السؤال الجوهري نفسه: هل سيمتلك المجلس الوطني الشبابي ميزانية مستقلة تمنحه القوة والفاعلية، أم سيظل رهينة العجز المالي تحت مظلة المجلس الأعلى؟
وفي إطار تشخيص هذه التبعية، يرى سيف أن ميزانية المجلس الوطني الشبابي تعاني من إشكالية بنيوية، لكونها مجرد "جزء مقتطع" من ميزانية المجلس الأعلى للشباب والرياضة وليست بنداً مستقلاً بذاته. ويؤكد سيف أن هذا الارتباط المالي يضع المجلس في حالة "تقييد دائم"؛ إذ يظل أي نشاط أو تحرك يخطط له الشباب مربوطاً وبشكل كلي بموافقة ومظلة المجلس الأعلى، مما يحد من قدرتهم على المبادرة المستقلة ويجعل تحركاتهم رهينة لقرارات المؤسسة الأم.
هذا التحدي كان محور إجابة حبيب دانيال رئيس هيئة رام الله في المجلس، الذي أكد على ضرورة الاستقلال المالي رغم أن "حالة التقشف" التي أعلنتها وزارة المالية حالت دون حصول المجلس على ميزانية خاصة حتى اللحظة. ويرى دانيال أن بقاء المجلس حالياً تحت "حضانة" المجلس الأعلى هو نتيجة اضطرارية للوضع السياسي والاقتصادي المتردي، آملاً أن يتحول المجلس مستقبلاً من "تابع إداري" إلى كيان سياسي يحمل رسالة الشباب إلى الحكومة ليكونوا فاعلين حقاً في صناعة السياسات التي تمس مستقبلهم.
بين استحقاق التمكين ومأزق "الفعل الشكلي".
في المحصلة،يتفق البرغوثي ودانيال حول اعتبار إن نجاح المجلس الوطني الشبابي الفلسطيني لا يتوقف عند لحظة انطلاقه، بل في قدرته على انتزاع استقلالية القرار وكفاءة الإدارة وسط حقلٍ مليء بالألغام البنيوية. ورغم الخلل في التبعية التنفيذية، إلا أن الرهان يظل قائماً على قدرة الشباب أنفسهم داخل هذا الجسم على إعادة تعريف دورهم؛ ليس كمنفذين لأجندات جاهزة، بل كشركاء في صياغة السياسات الوطنية أمام صنّاع القرار.
إن تجاوز "العقبات التأسيسية " يتطلب انتقالاً حقيقياً من مرحلة "الحضانة الإدارية" إلى مرحلة "الفاعلية السياسية". وهنا تبرز الميزانية المستقلة كاعتراف سياسي وقانوني بوجود هذا الجسم ودوره. إن توفير ضمان مالي حكومي، حتى وإن كان رمزياً في بدايته، سيمثل رسالة ثقة للشباب الفلسطيني.
إلا أن هذا التفاؤل يصطدم بحدة الواقع التي يطرحها عقل، والذي لا يرى في المجلس الحالي أفقاً لفاعلية حقيقية؛ فمن وجهة نظره، لا تتجاوز المؤسسات التي تدعي "إعادة الهيكلة" وتجديد دماء الشباب كونها "فعلاً شكلياً لا أكثر"، حيث يظل دور الشباب فيها محصوراً في "هوامش اجتماعية" ضيقة بعيداً عن عصب القرار السياسي الحقيقي.
لا تعليقات حتى الآن. بدء مناقشة جديدة.