العودة إلى المدونة

السينمائيون الشباب... الهجرة مسار قسري في ظل غياب الدعم

5 دقائق قراءة 14 أبريل 2026
السينمائيون الشباب... الهجرة مسار قسري في ظل غياب الدعم

"التمويل هو أكثر ما يحتاجه صناع السينما اليوم، لكن رغم توفر التمويل الخارجي أحيانا، إلا أننا نواجه تحديا آخر يتمثل في قلة التدريبات المتخصص

سياسات ثقافية 
السينمائيون الشباب... الهجرة مسار قسري في ظل غياب الدعم
رام الله- تسنيم زيدان – منصة ظل




"التمويل هو أكثر ما يحتاجه صناع السينما اليوم، لكن رغم توفر التمويل الخارجي أحيانا، إلا أننا نواجه تحديا آخر يتمثل في قلة التدريبات المتخصصة التي تدعم السينمائيين الشباب في فلسطين، ما يضطرنا إلى البحث عن هذه الفرص التدريبية خارجيا". بهذا الطرح المكثف، تلخص صانعة الأفلام الشابة فرح اشتية أهم التحديات التي تواجه السينمائيين الشباب في فلسطين، فرغم أهمية توفر الموارد المالية، المحدودة أصلا، إلا أن غياب منظومة تدريبية متخصصة قادرة على تأهيل جيل من صناع الأفلام محليا يشكل تحديا بنيويا مركزيا أيضا.
تضيف اشتية: "أكبر مشكلة هي عدم وجود نقابة للفنانين في فلسطين، ما يؤدي إلى غياب ضوابط ونواظم للحد الأدنى للأجور، ويجعل العمل مرتبطا بالتمويل الخارجي، ما يحد من فرص ظهور عدد أكبر من صناع الأفلام"، في إشارة إلى غياب إطار تنظيمي يضمن الحقوق المهنية ويؤسس لاستقرار في المهنة.

غير أن هذه التحديات الفردية تعكس، في جوهرها، اختلالات أوسع في بنية السياسات الثقافية، إذ تشير الباحثة في السياسات الثقافية بثينة حمدان إلى أن "المخصصات والموازنة في قطاع الثقافة تراجع منذ أزمة كورونا، لكن دائما الثقافة هي الأقل حظا في فلسطين"، موضحة أن "الإنفاق على الثقافة قليل جدا، فالسينما في فلسطين ليست ذات أولوية على سلم الإنفاق في القطاع الثقافي، رغم أنها أساسية في اقتصاديات العديد من الدول، ورغم كونها أداة يجب أن تكون مركزية في القوة الناعمة الفلسطينية".
أمام هذا التناقض بين الأهمية الاستراتيجية للسينما، وضعف الاستثمار والسياسات الداعمة، يبرز تساؤل مركزي: كيف يمكن الانتقال بقطاع السينما الفلسطيني من مساحات المبادرات الفردية المحدودة، إلى صناعة مستدامة قائمة على سياسات واضحة وتمويل مستقر؟ إذ لا تبدو أزمة السينما الفلسطينية مجرد تحديات فردية، بل هي انعكاس مباشر لبنية سياسات ثقافية تعاني من فجوات التصميم والتخطيط والتمويل والتنفيذ.

فغياب صندوق وطني لدعم السينما، وضعف التنسيق بين الجهات الداعمة، وتركيز الإنفاق على الجوانب التشغيلية، إلى جانب ضعف القدرة على إيجاد تمويل مستقر، ومحدودية الوصول إلى قنوات توزيع فعالة، عوامل تعيد إنتاج التحديات التي يواجهها صناع الأفلام.

الاستجابة السياساتية القائمة

تعاني التدخلات السياساتية الرسمية، المتصلة بقطاع السينما، من غياب الإطار التكاملي والرؤية والموارد المستدامة، إذ تشير مديرة دائرة السينما في وزارة الثقافة لينا البخاري إلى أن أي محاولة لتصميم تدخل سياساتي يصطدم بتحدي ضعف المخصصات، حيث إن "الموازنة العامة لوزارة الثقافة بجميع برامجها شحيحة للغاية"، ما ينعكس بشكل مباشر على قطاع السينما بطبيعته المركبة، كونه يتطلب موارد بشرية وتقنية متكاملة، ما يفسر محدودية القدرة على دعم الإنتاج، وغياب "صندوق مستدام ضمن موازنة واضحة".
ورغم هذا القيد المالي، تشير البخاري إلى أن الوزارة طورت آليات استجابة تشغيلية ذات طابع إجرائي، تقوم على توزيع محدود للموارد بين الإنتاج المباشر والشراكات الخارجية، حيث يتم دعم عدد محدود من الأفلام الطويلة سنويا من خلال المخصصات المباشرة، مقابل الاتكاء على الصندوق الثقافي الفلسطيني لدعم الأفلام القصيرة، مع التركيز على المواهب الشابة، بمعدل يتراوح بين ثلاثة إلى ستة أفلام سنويا.
وتوضح البخاري أن هذه الآليات تعمل ضمن إطار إجرائي واضح، من خلال دورتين سنويتين للتقديم وفق معايير وشروط منشورة مسبقا، تخضع فيها المشاريع لعمليات تقييم متعددة تشمل محكمين مستقلين، ما يشير إلى وجود بنية تنظيمية قائمة من حيث الشكل، لكنها محدودة الأثر من حيث النتائج بسبب ضآلة الموارد.
في المقابل، تلعب الشراكات الدولية دورا تعويضيا محوريا في سد الفجوة التمويلية والتقنية، حيث تستمر اتفاقيات الإنتاج المشترك مع دول مثل فرنسا وبريطانيا في دعم عدد من المشاريع السينمائية، إلى جانب مبادرات نوعية تشمل دعم المواهب الصاعدة وإطلاق مشاريع رقمنة وأرشفة السينما الفلسطينية، خاصة أرشيف سينما الثورة، وفق ما تقول البخاري.
أما على مستوى التخطيط الاستراتيجي، فقد شهد القطاع محاولات جدية للانتقال نحو نموذج أكثر تكاملا، إذ بدأت جهود تأسيس هيئة وطنية للسينما منذ عام 2017، وتراكمت عبر مشاورات ودراسات قطاعية حتى عام 2022، حتى وصلت إلى مرحلة الموافقة الرسمية وبدء إعداد الإطار القانوني. إلا أن هذه العملية توقفت بفعل التحولات السياسية والأزمات المالية، خاصة بعد عام 2023 وحرب الإبادة على غزة، ما يكشف عن هشاشة الاستدامة للسياسات الثقافية، وارتباطها المباشر بالسياق السياسي العام.
ضمن هذا السياق، لا تقتصر الاستجابة السياساتية على دعم الإنتاج فقط، بل تمتد نظريا لتشمل التدريب، والمهرجانات، وبناء القدرات، إلا أن هذا التوسع يظل محدود التأثير بسبب ضعف الموارد، وغياب البنية التحتية الداعمة. يزداد ضغط هذا القيد في ظل ضعف الحاضنة الأكاديمية، حيث يقتصر التعليم المتخصص في السينما على مؤسسة أكاديمية محلية واحدة، وهي مؤسسة دار الكلمة، إضافة إلى غياب برامج دراسات عليا، ما يحد من إنتاج كفاءات مهنية مستدامة، ويجعل الاحتراف قائما على الخبرة التراكمية في بيئة إنتاج ضعيفة.
وعلى مستوى الرؤية المستقبلية، تتبلور ملامح التحول نحو صناعة سينمائية مستدامة حول ثلاثة مرتكزات رئيسية أوضحتها البخاري، وهي إنشاء جسم وطني جامع ينظم القطاع، وتأسيس صندوق وطني مستدام للتمويل، وتطوير أطر تشريعية داعمة.
تضيف البخاري إلى ذلك ضرورة تفعيل أدوات تمويل مبتكرة مثل الإعفاءات أو الاقتطاعات الضريبية، وربط الإنتاجات المشتركة بشروط تضمن نقل المعرفة وتدريب الكوادر المحلية. كما يرتبط نجاح هذه الرؤية بمدى تكامل الأدوار بين الدولة والقطاع الخاص، في ظل إدراك أن المشكلة لا تكمن في نقص المواهب، بل في غياب البنية المؤسسية التي تستثمر هذه الطاقات.

فجوة بين السياسات والواقع
تشير حمدان إلى أن النسبة المخصصة للسينما من موازنة قطاع الثقافة لا تتجاوز (12%)، وهي في الواقع أقل بكثير مما تبدو عليه، إذ تُستهلك معظمها في النفقات التشغيلية والمهرجانات، ما يجعل حصة الإنتاج السينمائي هامشية.
هذا الخلل لا يبقى في مستوى الأرقام، بل ينعكس مباشرة على تجارب صناع الأفلام، حيث يتحول الإنتاج إلى مبادرات فردية تعتمد على التمويل الخارجي.

في هذا السياق، يوضح المخرج محمد الصواف من قطاع غزة أن فيلمه "توأم غزة.. عد إلي" أُنتج عبر علاقات واتصالات خارجية دون المرور بمسارات تمويل رسمية، ما يعكس غياب قنوات وطنية منظمة.
ويختصر هذه الفجوة بقوله: "نحن نعاني من شيئين… مهارتنا في إيجاد تمويل، وقدرتنا على توزيع أفلامنا"، في إشارة إلى أن الأزمة لا تقتصر على الإنتاج، بل تمتد إلى التسويق والوصول.
تتفاقم هذه القيود بفعل السياق السياسي المرتبط بالاحتلال الإسرائيلي، مثل القيود على إدخال المعدات، وارتفاع كلفة الإنتاج، واعتماد القطاع على تمويل خارجي غير محايد قد يفرض شروطا على طبيعة السردية.
في البعد المهني، تتجلى الأزمة في غياب الحواضن المؤسسية، وضعف البنية التحتية، وندرة المؤسسات والمهرجانات، ما يدفع بالكفاءات إلى الهجرة، ويحد من قدرة الداخل على إنتاج رواية متماسكة.
كما يظهر غياب الأطر التنظيمية، مثل النقابات، كعامل إضافي في هشاشة البيئة المهنية. وتنعكس هذه القيود بشكل مباشر على مضمون الإنتاج، حيث قد تُنتج أعمال بتمويل خارجي تحمل روايات غير دقيقة أو مشوهة، في ظل غياب جهة ناظمة تتابع وتحمي السردية الوطنية.

البعد الإنساني للتجربة السينمائية الفلسطينية

ورغم هذا التعقيد البنيوي، تكشف التجربة الإنسانية لصناع الأفلام عن جوهر القضية. في غزة، لا يواجه المخرج تحديات مهنية فقط، بل يعيش شروط إنتاج قسرية، كما يصف الصواف: "التحدي… هو الجوع، القصف، فقدان المعدات والزملاء".
ومع ذلك، تتحول السينما إلى حالة صمود واشتباك مع هذا الواقع، حيث يؤكد الصواف أن "الكاميرا جزء من توثيق الذاكرة… وجزء من الصمود"، وأن كل فيلم هو محاولة لإعادة الاعتبار لقصص الأفراد الذين يُختزلون في الأرقام.
هنا، تتجاوز السينما كونها قطاعا ثقافيا لتصبح أداة بقاء رمزي، وساحة للصراع على الرواية.
توصيات في ظل واقع معقد

يعد إنشاء جسم وطني موحد للسينما مدخلا ضروريا وأساسيا لتنظيم دعم مستدام وفعال لقطاع السينما، والسينمائيين الشباب على وجه الخصوص، إذ من الضروري وجود جسم مرجعي موحد يعنى بإدارة التخطيط الاستراتيجي لهذا القطاع وفق رؤية جامعة تسمح بمتابعة وتحفيز الإنتاج وتحد من العشوائية والتشتت.

وهذا ما يتطلب بالموازاة وجود صندوق وطني لدعم الإبداع السينمائي، حتى لا تترك السياسات قاصرة ومحدودة ونظرية، فوجود هذا الصندوق كصندوق مستقل وذو شراكات دولية يضمن التوزيع الفاعل للموارد وتنسيق التدخلات الداعمة.
كما يحتاج قطاع الإنتاج السينمائي إلى نموذج اقتصادي تشاركي، يقوم على التعاونيات وحواضن الأعمال المحفزة للإنتاج، والتي تشكل أطرا فاعلة للتدريب ورفع القدرات والاحتكاك وتكامل الأدوار بين السينمائيين الشباب. إلى جانب ذلك، فمن الضروري وجود جسم حقوقي يحمي العاملين بهذا القطاع ويتعامل مع المهنة كمهنة إبداعية تحتاج للرعاية والتحفيز.
لا تكمن أزمة السينما الفلسطينية في نقص الموهبة أو غياب القصص، بل في غياب البنية التي تحول هذه الإمكانيات إلى صناعة مستدامة، فرغم القيود المالية والسياسية، يظل الإنسان الفلسطيني محور السرد، وتبقى السينما أداة قادرة على تحويل التجربة الفردية إلى ذاكرة جماعية، وإنتاج رواية وطنية تنافس عالميا.
كما يلخص المخرج محمد الصواف هذا الواقع بقوله:
"التحدي ليس فقط في التمويل، بل في البقاء… كل لحظة إنتاج هي مواجهة وجودية".


لا توجد تعليقات حتى الآن

لا تعليقات حتى الآن. بدء مناقشة جديدة.

أضف تعليق