العودة إلى المدونة

عاملات في الظل… الحماية الاجتماعية الغائبة في القطاع غير الرسمي

5 دقائق قراءة 14 أبريل 2026

عند الرابعة فجرا، تبدأ الحافلة رحلتها بصمت. نساء من بلدات مختلفة يصعدن تباعا، ويستعدن ليوم طويل. تتجه الحافلة نحو الأغوار، حيث موسم التمر، ي

سياسات اقتصادية - سياسات اجتماعية 
عاملات في الظل… الحماية الاجتماعية الغائبة في القطاع غير الرسمي
بيت لحم- حلا قراقع- منصة ظل

عند الرابعة فجرا، تبدأ الحافلة رحلتها بصمت. نساء من بلدات مختلفة يصعدن تباعا، ويستعدن ليوم طويل. تتجه الحافلة نحو الأغوار، حيث موسم التمر، ينتظرهن يوم عمل يمتد من أول الضوء حتى ما بعد الغروب.
مع شروق الشمس، تبدأ الساعات الثقيلة، أكثر من 12 ساعة من العمل المتواصل في الحقول، دون شروط واضحة، أو حماية، أو حتى استراحة حقيقية. تقول "ن.ث"، وهي شابة من إحدى قرى بيت لحم:" أنا بعرف إن الأجر 120 شيكل مقابل 8 ساعات… بس إحنا بناخذ 70 شيكل على يوم كامل".
ثم تضيف:
"ما بقدر أحكي اشي… أنا بشتغل عشان أولادي. زوجي معتقل، وأنا المسؤولة عن كل إشي بالبيت".
في هذا العمل، لا يكون الصمت ضعفا، بل شرطا للاستمرار. السمسار الذي ينقل النساء إلى الحقول يقتطع جزءا من أجورهن، يصل أحيانا إلى نصفها، وأي اعتراض قد يتحول إلى تهديد أو ابتزاز. تروي "ن.ث" أن إحدى العاملات حاولت الاعتراض، "صرخت عليه"، لكن الرد كان قاسيا، تقول ن.ث "طردها وحكا لصاحب الأرض انها سرقت"، ومنذ ذلك اليوم، اختارت الأخريات الصمت.
ولا تقف الانتهاكات عند الأجر، تتحدث النساء عن مضايقات مستمرة، وعن حالات تحرش وابتزاز، حيث يُلمح أحيانا إلى أن الحصول على الأجر الكامل له "ثمن آخر".
أما أبسط الحقوق، كالمرافق الصحية، فهي شبه غائبة. مرحاض واحد بعيد، مكشوف، يستخدمه الرجال والنساء معا. "ولا وحدة فينا بترضى تروح… بنخاف.
يعد قطاع العمل غير الرسمي معضلة بنيوية لما يرتبط به من غياب الحماية القانونية والاجتماعية، وضعف الرقابة، وانعدام الاستقرار الوظيفي. ففي هذا القطاع، لا تُضمن الحقوق الأساسية مثل الأجر العادل، والتأمين الصحي، والإجازات، أو الحماية من الفصل التعسفي، ما يجعل العاملات عرضة للاستغلال والانتهاكات دون وجود آليات فعالة للمساءلة. كما يؤدي اتساع هذا القطاع إلى إضعاف الاقتصاد المنظم، وتقليص الإيرادات الضريبية، والحدّ من قدرة الدولة على تطوير سياسات حماية شاملة، ما يعمّق الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية، خاصة لدى الفئات الأكثر ضعفا مثل النساء.
في محاولة للحد من اتساع العمل غير الرسمي، تتوزع الاستجابة في فلسطين بين جهات رسمية وغير رسمية، دون إطار سياساتي موحد، ما يجعلها أقرب إلى تدخلات متفرقة. فعلى المستوى الحكومي، يشير مدير دائرة السياسات والتخطيط في وزارة الاقتصاد رشاد يوسف، أن الوزارة تقود توجهًا لإدماج المشاريع الصغيرة والمتناهية الصغر، خاصة النسوية، ضمن الاقتصاد المنظم، في إطار الاستراتيجية الوطنية للمنشآت الصغيرة والمتوسطة (2025–2027)، التي تركز على التمويل والتدريب والتسجيل وتعزيز "نظامية" العمل.
وتترجم هذه السياسة، وفق ما تشير مديرة دائرة المتابعة والتدقيق في وزارة الاقتصاد سيرين الشنطي، إلى أدوات عملية، أبرزها تسهيل تسجيل المشاريع الصغيرة عبر أنظمة إلكترونية دون الحاجة الذهاب للوزارة، بتكلفة (نحو 2 دينار)، مع إمكانية الحصول على سجل تجاري بناء على شهادة من جهة محلية، في إطار تقليل العوائق البيروقراطية وتشجيع الانتقال إلى العمل الرسمي.
كما تعتمد الوزارة، وفق يوسف، نظاما ضريبيا تصاعديا لا يُفرض إلا بعد تجاوز الأرباح نحو 100,000 شيكل سنويا، وبنسب منخفضة، إلى جانب حوافز مثل استرداد الضريبة في بعض القطاعات الإنتاجية، خاصة الزراعية، ما يقلل كلفة التسجيل ويعزز جدواه. كما تشير الشنطي إلى وجود منصات تدريب وتسويق مثل الحقيبة التدريبية المجانية ومنصة E-SOUQ، إلى جانب ورشات توعوية وربط التسجيل بالمنح والمعارض، والانتساب لغرفة التجارة والصناعة، ضمن رؤية تعزز صمود المشاريع النسوية واستمرار دخل الاسر.
في المقابل، تشير مسؤولة دائرة النوع الاجتماعي في الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين عائشة حموضة، تلعب النقابات العمالية دورا يتجاوز التوعية إلى العمل الميداني والضغط السياساتي، حيث تساهم في توثيق أنماط الانتهاكات التي تتعرض لها العاملات في القطاع غير الرسمي، من استغلال الأجور وغياب العقود إلى التحرش وانتهاك الخصوصية، وتعمل على نقل هذه القضايا إلى الجهات الرسمية ضمن تقارير ومذكرات مطلبية متكررة. وبحسب ما أوضحته الناشطة النقابية عائشة حموضة في المقابلة، فإن النقابات لا تكتفي بالرصد، بل تسعى إلى خلق قنوات تدخل مباشرة، من خلال التنسيق مع المحافظ في كل منطقة من خلال وحدة النوع الاجتماعي في المحافظات، خاصة في الحالات المرتبطة بالتحرش أو الانتهاكات الجسيمة، إلى جانب تنظيم حملات توعية قانونية للعاملات لتعريفهن بحقوقهن وآليات المطالبة بها.
وفي محاولة لتجاوز عوائق التبليغ، طورت النقابات آليات آمنة وسرية، أبرزها الرقم المجاني الذي يتيح الاستفسار عن الحقوق القانونية والإجراءات المتاحة وتقديم الشكاوى دون الإفصاح عن الهوية بالتعاون مع مؤسسات المجتمع المدني، وهو ما يشكل مدخلا مهما للوصول إلى فئات لا تستطيع التوجه المباشر.
وبسبب حساسية هذه القضايا وخوف العديد من النساء من فقدان العمل أو التعرض للوصمة الاجتماعية، امتد دور النقابة إلى التدخل كوسيط من خلال التفاوض أو التسوية، بما يضمن استعادة الحقوق دون تعريض النساء لمخاطر اجتماعية أو قانونية إضافية. كما تعمل النقابات على إنتاج معرفة أعمق حول واقع النساء العاملات من خلال دراسات بالشراكة مع مؤسسات نسوية، وتنفيذ زيارات ميدانية استشعارية وورشات توعية، في محاولة لمعالجة جذور المشكلة وليس فقط نتائجها.
وقد أظهرت عمليات الرصد التي قامت بها النقابات أن الانتهاكات في القطاع غير الرسمي ليست حالات فردية، بل هي ممارسات ممنهجة تعكس نظرة مجتمعية وقانونية قاصرة تجاه عمل النساء. ففي قطاع رياض الأطفال، يتم التعامل مع هذا العمل على أنه امتداد "طبيعي" لدور النساء، وليس كعمل رسمي يستحق الحماية، ما يؤدي إلى غياب العقود وعدم الالتزام بالحد الأدنى للأجور وممارسات تمس الخصوصية مثل سحب الهواتف المحمولة من العاملات خلال الدوام.
وفي زيارة ميدانية لأحد مصانع النسيج، وثقت احدى مراقبات نقابة العمال، وفق ما تشير حموضة، انتهاكات تتعلق بغياب الخصوصية داخل بيئة العمل. وبحسب ما رصدته، لم تتمكن إحدى العاملات من الإفصاح المباشر عن طبيعة الانتهاك خوفا من التعرض للمساءلة أو فقدان عملها، فلجأت إلى طريقة غير مباشرة؛ حيث طلبت من ممثلة النقابة أن تطلب هي بنفسها استخدام الحمام، دون أن تشرح السبب. وعند توجه ممثلة النقابة إلى المرافق، تبين أن الحمام غير مغلق بباب، بل بستارة فقط، في مساحة مشتركة بين الرجال والنساء، ما يشكل انتهاكا واضحا لخصوصية العاملات.

تحديات شاملة

تتعمق أوضاع النساء في سياق سياسي واقتصادي مقيد بفعل سياسات الاحتلال، بما يشمل مصادرة الأراضي، والتوسع الاستيطاني، والقيود على الحركة والتجارة، ما يؤدي إلى إضعاف القطاعات الإنتاجية، خاصة الزراعة، وتقليص فرص العمل النظامي والتصاريح، ودفع النساء نحو أنماط عمل غير مستقرة. 
لكن التحول الأخطر جاء بعد الحرب على غزة منذ 7 أكتوبر 2023، حيث أدت إلى: تدمير واسع للبنية التحتية وانهيار الخدمات الأساسية وتصاعد غير مسبوق في الأزمات الإنسانية
الحرب والاحتلال لم يقتصر على تدمير البنية التحتية، بل أعادا تشكيل أدوار النساء الاقتصادية والاجتماعية، حيث تحولت النساء إلى معيلات أساسيات في ظل انهيار سوق العمل الرسمي، ما دفعهن نحو أنماط عمل هشة وغير محمية، تعكس توسعا واضحا في الاقتصاد غير الرسمي وزيادة في مستويات الاستغلال وغياب الحماية.
أما على المستوى الاقتصادي، فيشغل الاقتصاد غير المنظم ما يقارب نصف الاقتصاد الفلسطيني، ما يجعله مكونا رئيسيا في السوق. وفي المقابل، يؤدي ذلك إلى خسائر ضريبية سنوية تقدر بين 300 مليون إلى مليار دولار، ويعكس تعقيد التعامل مع هذا القطاع دون التأثير على سبل عيش آلاف الأسر التي تعتمد عليه، كما يضعف قدرة الدولة على تطوير سياسات حماية شاملة، ويبقي العاملين، خاصة النساء، في دائرة الهشاشة والاستغلال.
وفيما يخص التحديات المؤسساتية، يبرز غياب البيانات الدقيقة والمحدثة، خاصة بعد عام 2023، حيث تعود آخر البيانات التفصيلية إلى ما قبل التحولات الحادة في سوق العمل، منها فقدان آلاف العمال مصادر دخلهم وظهور أنماط عمل غير مستقرة، ما يحد من قدرة صناع القرار على تطوير سياسات فعالة تستجيب للواقع المتغير.
بالمجمل، تواجه الإناث تحديات أكبر مقارنة بالذكور، حيث تدفع النظرة الاجتماعية النمطية التي تقلل من قيمة عمل المرأة وتمنع  فرص حصولهن على عمل في قطاعات غير تقليدية العديد من النساء إلى القبول بأجور متدنية أو الإقصاء من سوق العمل المنظم، ما يضطرهن للعمل في القطاع غير الرسمي لتأمين دخل وإعالة أسرهن.
يعد قانون العمل الحالي قديما وغير مواكب لتحولات سوق العمل، ولا يعالج قضايا أساسية مثل التمييز والتحرش والعمل المرن والعقود المؤقتة، إلى جانب ضعف تطبيقه الذي لا يتجاوز نحو 42%، ما يعكس خللا بنيويا في منظومة الحماية القانونية، خاصة في القطاع غير الرسمي.
وفي ظل هذا الواقع المركب، لا يمكن التعامل مع عمل النساء في القطاع غير الرسمي كمسألة تنظيمية فقط، بل كقضية بنيوية تتداخل فيها العوامل السياسية والاقتصادية والقانونية والاجتماعية. وبين محاولات الإدماج والسياسات القائمة، تبقى الحاجة ملحة إلى إطار سياساتي شامل يوازن بين تشجيع الانتقال إلى الاقتصاد الرسمي وتوفير حماية فعلية لمن تبقى خارجه. فبدون ذلك، ستظل النساء يعملن في الظل، بين الحاجة والغياب المستمر للحماية.
لا توجد تعليقات حتى الآن

لا تعليقات حتى الآن. بدء مناقشة جديدة.

أضف تعليق