العودة إلى المدونة

أزمة المحروقات تثقل هموم المواطن والطاقة النظيفة حل استراتيجي
في الأسبوع الأخير من آذار الماضي، حاصر طابور طويل الشاب محمود ياسين، من قرية عانين غرب جنين، أمام إحدى محطات الوقود، قبل أن يدرج عائداً دون
سياسات اقتصادية
أزمة المحروقات تثقل هموم المواطن والطاقة النظيفة حل استراتيجي
رام الله- قمر برغوثي- منصة ظل
في الأسبوع الأخير من آذار الماضي، حاصر طابور طويل الشاب محمود ياسين، من قرية عانين غرب جنين، أمام إحدى محطات الوقود، قبل أن يدرج عائداً دون النجاح بالحصول على ما يلزمه لتنقله اليومي من وإلى عمله. يقول ياسين: " حاولت أعبي بنزين وآخذ احتياجي ، لكن ما لقيت بالكازيات، وخلصت السيارة بنزين، وهاد الاشي أثر علي وعلى شغلي سلباً، ولسا المواصلات ارتفعت". إذ شهدت الضفة الغربية طوابير طويلة أمام محطات الوقود، دون نجاح الكثيرين في الحصول على احتياجهم اليومي في ظل شح الوقود، وشبهات بتخزين بعض المحطات للوقود انتظاراً لبداية نيسان، الذي شهد ارتفاعات حادة على أسعار المشتقات البترولية. ليست التجربة الأولى، يقول ياسين "في العام الماضي واجهنا حالة مشابهة، ما دفعني الى تخزين كميات إضافية من الوقود والغاز بعد نجاحي بالحصول عليها هذا العام".
يتكرر هذا المشهد في الضفة الغربية، حيث تتحول أزمات الطاقة إلى مصدر توتر عام، في ظل غياب سياسات واضحة لإدارة هذه الأزمات.
وتؤطر تدفقات المحروقات إلى الضفة الغربية ببروتكول باريس الاقتصادي، الذي تتيح الاستيراد المشروط للمحروقات من الخارج، وبسقوف سعرية مقاربة للسوق الإسرائيلي. اما محلياً، فينظم هذا القطاع بقرار بقانون رقم(5) لسنة 2023 بشأن الهيئة العامة للبترول، والذي يمنح الهيئة صلاحيات واسعة لتنظيم القطاع، وتشجيع الاستثمار، والرقابة الصارمة على السوق، كما ينص على توفير مخزون استراتيجي. لكن الأزمات المتتالية تضع هذا الملف على المحك في ظل انكشاف السوق المحلي أمام شح المخزون، خاصة مع تصاعد أزمة الطاقة العالمية.
يؤكد أحد أصحاب محطات الوقود في بيرزيت، شمال رام الله، غياب أي مخزون استراتيجي في الضفة الغربية، موضحاً أن المحطات تقوم ببيع ما يصلها بالصهاريج من إسرائيل أولاً بأول "كان يصير كثير انقطاع ونقص بالوقود، بتكون إسرائيل مش باعتة كمية بتكفي للضفة كاملة، ولسا في الحرب الناس بستهلك أزود، يلي كان يعبي بين 100 و 150 ـشيكل، صار يعبي 400 إلى 500 شيكل، صار استهلاك أزود وفش من إسرائيل وفش بالبيار الموجودة في الكزية".
وبينما يصل الاحتياج اليومي في الضفة الغربية من الوقود إلى حوالي 4 ملايين لتر، تراجعت الإمدادات إلى ما معدله 2.5-4 مليون لتر يومياً، توزع على حوالي 240 محطة ممتدة على كافة المحافظات، بالمقابل ارتفعت أسعار الوقود، وفق البيان الشهري للهيئة بحوالي 1.05 شيكل للتر البنزين 95، الأكثر استخداماً، و2.44 شيكل للتر السولار، الأساسي في النقل العام وتشغيل المنشآت، فيما قفز سعر أسطوانة الغاز المنزلي بحوالي 20 شيكل.
بالتوازي، تعاني الضفة الغربية من واقع اقتصادي صعب في ظل انقطاع رواتب العاملين في القطاع العام، وتوقف العمل في السوق الإسرائيلي، وارتفاع معدلات البطالة ووقوع الاقتصاد المحلي تحت كساد وتضخم.
أما على المستوى الاجتماعي، فيحاول المواطنون التحوط بتخزين كميات من البنزين أو السولار والغاز، يوضح ياسين أن هذا التحوط "بكون نابع من خوف، لو الحاجة إلي كان بوخذ على قد حاجتي، لكن اليوم بدل ما أعبي 20 لتر وأشتري جرة غاز، بوخذ 50 لتر بنزين وثلاث جرار غاز وبخزنهم عندي في الدار". كما يصف صاحب المحطة المشهد قائلاً: "الناس صاروا يعبوا أبو عشر جلان وقود، وبكونوا طوابير عباب الكازية".
يقود هذا المشهد إلى تعميق الفجوات والتفاوت، بين يمتلك المال للتخزين والتحوط، وبين المواطن محدود الدخل. وبينما تعجز الجهات التنظيمية عن معالجة هذا الاختلال، يستمر الارتباط بالمورد الإسرائيلي كعائق بنيوي. وهذا ما يحذر منه نقيب أصحاب محطات الوقود والمحروقات، سامر أبو حديد، مشيراً إلى أننا أمام أزمة حقيقية في توريد المحروقات، وهي ليست أزمة مؤقتة، ولم تبدأ اليوم، داعياً باتخاذ حلول استراتيجية.
أزمة معقدة وحلول استراتيجية
يجيب الباحث الاقتصادي د. طارق عاشور بوجود فجوة كبيرة بين النص القانوني والواقع، منوهاً إلى الدور المفقود للمؤسسات الناظمة في الرقابة والتخطيط، فلا رقابةٌ على الأسعار-خاصة فيما يتصل بموضوع الغاز- ولا محاولة حقيقية لإيجاد بديل فعال لمصادر للمحروقات، أو على الأقل لمنع الانقطاعاتِ والطوابير، ولا يوجد آلية للتواصل الشفاف مع المواطن. وأكد عاشور أن هناك حلقة مفقودة بين مصالح القطاع الخاص وحق المواطن في الحصول على السعر العادل.
ويضيف عاشور "لا يكمن الحل في إنشاء مخازن استراتيجية في ظل أن الطاقة تُستورد من الجانب الإسرائيلي، وإنما في تطبيق البند الذي يسمح باستيراد الطاقة في اتفاقية باريس الاقتصادية، لكن التحدي أمام هذا المقترح يكمن بأنه سيحتاج لمساحات واسعة من الأراضي لإنشاء مخازن، وهو أمر صعب في ظل أن معظم الأراضي المتاحة والمناسبة تقع في المناطق المصنفة ج".
يقترح عاشور بأن يفكر صندوق الاستثمار، على سبيل المثال، بطريقة استراتيجية، ويساهم في دعم الاستثمار الفلسطيني في استيراد الغاز والنفط من الخارج عبر خزانات استراتيجية في أريحا أو بالتعاون مع الأردن، ما سيسمح بإنشاء مخزون استراتيجي.
أما على المستوى بعيد الأمد، يقترح عاشور الاتجاه المكثف نحو الطاقة النظيفة، يؤكد عاشور:" لو اعتمدنا على الطاقة النظيفة في توليد الكهرباء داخلياً، ولو تم تخفيض الجمارك على السيارات الكهربائية، ستحل المشكلة بنسبة كبيرة، وسينخفض اعتمادنا على الجانب الإسرائيلي بشكل كبير".
وفي ظل مشهد سياسي واقتصادي معقد، تتحول المحروقات كواحدة من أدوات الخنق للمجتمع الفلسطيني، ما يتطلب استجابات فورية دون انتظار انفجار الأزمة مرة أخرى، وكما يشير عاشور، فإن حلولاً متاحة وممكنة كفيلة بتخفيف أثر الأزمة إن وقعت، وصولاً إلى معالجات جذرية.

لا تعليقات حتى الآن. بدء مناقشة جديدة.