العودة إلى المدونة

تحديات مربي الأغنام في الأغوار: ارتفاع التكاليف وتقليص المساحات الرعوية

5 دقائق قراءة 14 أبريل 2026

مع كل يوم جديد، يستيقظ أنور صوافطة إلى ذات الهاجس، إذ يحاول الصمود في مهنته كراع، والتي تواجه تحديات متصاعدة منها ارتفاع تكاليف مدخلات الإنت

سياسات اقتصادية- سياسات بيئية- سياسات اجتماعية 
تحديات مربي الأغنام في الأغوار: ارتفاع التكاليف وتقليص المساحات الرعوية
طوباس- ولاء صوافطة- منصة ظل

مع كل يوم جديد، يستيقظ أنور صوافطة إلى ذات الهاجس، إذ يحاول الصمود في مهنته كراع، والتي تواجه تحديات متصاعدة منها ارتفاع تكاليف مدخلات الإنتاج، وتراجع القدرة على الوصول إلى المراعي، يقول صوافطة: " تراجع انتاج قطيعي من الحليب بشكل حاد، حيث كان يصل إلى حوالي 95 لتراً يومياً، فيما لا يصل اليوم إلى أكثر من 35 لتراً يومياً، أخسر حوالي ثلثي الإنتاج وهذا ما ينعكس على دخلي، كما أن أسعار الاعلاف ارتفعت لتصل إلى حوالي 2000 شيكل للطن الواحد، ما يجعل هذا الواقع صعب للغاية على مربي المواشي".
تمتد معاناة صوافطة لتشمل منع محاولاته المتكررة في الوصول إلى المراعي، إذ تعرض وعائلته للمنع خمس مرات خلال الأشهر الأخيرة، وفرضت عليهم غرامات مالية باهظة وصلت إلى حوالي 9 آلاف شيكل، بما يفوق قدرة أي راع على التحمل، في ظل الواقع الاقتصادي المتردي. يضيف صوافطة "تعرض العديد من أفراد عائلتي لإصابات خلال هذه المحاولات، حجم المخاطر اليومية تزداد علينا وتدفعنا للتفكير بمستقبلنا بشكل جدي".
تؤكد المزارعة حسنة صوافطة ذلك، وتشير إلى أنها تواجه صعوبات كبيرة في تأمين الأعلاف وأثمانها، وضمان استمرار الإنتاج، منوهة إلى أن دخلها بات يتآكل بشكل مضطرد، ما يهدد مستقبل الثروة الحيوانية في الأغوار الشمالية بشكل عام.
يتفق مربو الأغنام على الواقع المعقد للعمل في هذا القطاع، في ظل تصاعد المعاناة اليومية التي تؤثر على قدرته في الرعي وإنتاج الحليب، في ظل تراجع الموارد وانكماش العائد مقابل ارتفاع التكاليف وانحسار المساحات الخضراء المتاحة للرعي.

فقدان 40% من القطعان وحوالي ثلث انتاج الحليب
يؤكد مدير دائرة الزراعة في الأغوار، عمر صوافطة، أن هذا الواقع يخلق الواقع تحدياً بنيوياً أمام قطاع الثروة الحيوانية، والذي تشكل الأغوار الشمالية واحدة من مساحاته المركزية، ما يدفع لضرورة وجود سياسات استدامة تدعم مدخلات الإنتاج وتحمي الأسر العاملة في هذا القطاع لضمان استقراره. 

ويوضح صوافطة أن مربو الأغنام يعتمدون على تدخلات داعمة ومشتركة تنسقها وزارة الزراعة، بالتعاون مع مؤسسات دولية، وتتمثل أشكال هذا الدعم في تقديم الأعلاف وتوزيع الحقائب البيطرية والحليب الجاف للأغنام الرضيعة، ودعم وحدات تصنيع الأعلاف باستخدام مخلفات زراعية وتوزيع شوادر وهياكل معدنية تدعم إعادة بناء الحظائر في حالات الهدم، خاصة في التجمعات البدوية والمهمشة، والتي يتم دعمها أيضاً بصهاريج مياه. 
ويشير مدير دائرة الزراعة في الأغوار إلى أن المزارعين يحصلون على الدعم المباشر أو عبر قسائم خاصة تتيح لمربي المواشي شراء الاحتياجات من الموردين، حيث تمتلك دوائر الزراعة في المحافظات قواعد بيانات ناجزة بهذا السياق. إلا أن هذا الدعم، غير منتظم، وهو محكوم بتوفر الموارد اللازمة لذلك، خاصة في ظل الأزمة المالية التي تعيشها الحكومة، ما يجعل من هذه التدخلات موسمية وغير مستدامة. 
ويضيف صوافطة أن تنفيذ هذه التدخلات تحديات كبيرة على الأرض، أبرزها صعوبة الوصول إلى التجمعات، والتعرض لمضايقات تعيق إيصال المساعدات، إضافة إلى تقلص المساحات الرعوية وتراجع أعداد الأغنام بشكل ملحوظ من نحو 30 ألف رأس إلى 18 ألفًا، ما يعني فقدان حوالي 40% من القطعان. هذا الانخفاض يترجم عمليًا إلى خسارة كبيرة في إنتاج الحليب، الذي تراجع بنسبة تتراوح بين 30% و40%، أي أن المزارع يفقد يوميًا ما يقارب ثلث إلى نصف إنتاجه المعتاد، ما يقلل بشكل مباشر من دخله اليومي ويدفعه إلى هجرة هذه المهنة.
كما يبين صوافطة أن تقلص عدد التجمعات الرعوية من 22 تجمعًا إلى 10 فقط نتيجة التضييق على الحركة والتهجير الجزئي، أي أنهم فقدوا أكثر من نصف مواقع الرعي التي كانوا يعتمدون عليها، ما يزيد الوقت والجهد لنقل الأغنام، كما أن ارتفاع تكلفة الأعلاف من شيقل واحد لكل كيلو في الوضع الطبيعي إلى نحو 3–3.5 شيقل، زاد العبء المالي على المزارعين وقلل أرباحهم. 

وتوضح هذه المعطيات توضح أن معظم المزارعين باتوا مضطرين لحصر الأغنام داخل الحظائر، ما يزيد من مخاطر تفشي الأمراض ويضعف استدامة الثروة الحيوانية مقارنة بالوضع الطبيعي قبل هذه القيود.
من جانبه، يقول الباحث الفلسطيني في شؤون الأغوار الشمالية، أحمد حنيطي، إن المزارعين في الأغوار يواجهون ما وصفه بـ" العنف غير المرئي"، في ظل غياب الحماية الكافية، ما يتركهم عرضة للاعتداءات على حياتهم وممتلكاتهم.
ويضيف أن التدخلات الحكومية والمؤسساتية ما تزال محدودة وغير كافية، مشيرًا إلى أن الأزمة المالية التي تمر بها السلطة الفلسطينية تعيق قدرتها على تقديم تعويضات حقيقية عن تدمير الحظائر أو مصادرة وسرقة الثروة الحيوانية، إضافة إلى دعم مدخلات الإنتاج الأساسية كالأعلاف.
ويوضح حنيطي أن هذه الظروف، إلى جانب ارتفاع تكاليف الإنتاج وصعوبة الوصول إلى المراعي والمياه، دفعت العديد من المزارعين إلى التخلي عن تربية الأغنام، في ظل واقع وصفه بـ"القاهر"، حيث يُتركون لمواجهة التحديات بمفردهم.
ويشير إلى أن غياب الأولوية لهذا القطاع خلق فجوة واضحة بين احتياجات المزارعين وسياسات الدعم القائمة، مؤكدًا أن الثروة الحيوانية لا تحظى بالاهتمام الكافي رغم دورها في تلبية الاحتياجات المحلية.
ويشدد حنيطي على ضرورة إعادة النظر في السياسات الحالية، من خلال وضع المزارعين في موقع متقدم ضمن أولويات الدعم، والعمل على تخفيف الأعباء عنهم، مثل خفض الضرائب على الأعلاف، وتوفير بيئة حاضنة للإنتاج، وتعزيز الحماية والدعم المستدام لضمان صمودهم واستمرارهم

سياسات متناثرة وتدخلات واجبة

ويؤكد مدير دائرة الزراعة في الأغوار أنه وعلى الرغم من البرامج القائمة لدعم مربي الأغنام، لا توجد سياسة كاملة ومستدامة تضمن استمرار الدعم على الأرض. تواجه التنفيذ عدة عقبات، أبرزها نقص التمويل المستمر واعتماد جزء كبير من الدعم على مساعدات مؤقتة أو تمويل خارجي، ما يؤدي إلى تأخير وصول المساعدات أحيانًا لعدة أشهر.
 ويضيف أن صعوبة الوصول إلى التجمعات الرعوية وتقلص المساحات الرعوية إيصال الموارد والخدمات البيطرية بشكل فعال. تواجه المزارعين أيضًا ارتفاع تكاليف الأعلاف وانخفاض الإنتاجية، ما يضعف الجدوى الاقتصادية للقطاع. 
ويشدد على أن هذه التحديات تتطلب وجود خطة أكثر استدامة، تقوم على إنشاء صندوق دعم ثابت بمشاركة الحكومة والمؤسسات المحلية والدولية، بما يضمن استمرارية الدعم وتعزيز صمود المزارعين في هذا القطاع.
تُظهر القصة اليومية لأنور وحسنة صوافطة حجم التحديات التي يواجهها مربي الأغنام في الأغوار، وتأثير ذلك المباشر على دخلهم واستدامة حياتهم. مستقبل هذه السياسة يعتمد على إنشاء صندوق دعم مستدام بمشاركة الحكومة، المؤسسات المحلية، والمانحين الدوليين، لتأمين استمرارية الدعم وتجاوز الاعتماد على المساعدات الطارئة. تشمل الاستراتيجية توفير الأعلاف، الخدمات البيطرية، تدريب المزارعين، وآليات متابعة فعالة، بما يضمن حماية دخل الأسر واستقرار الإنتاج. تنفيذ هذه الخطة سيعزز صمود المواطنين ويحول قصص المعاناة اليومية إلى واقع أكثر أمانًا واستدامة، ويضمن لهم القدرة على الاستمرار في الأرض والعمل الزراعي بثقة.




لا توجد تعليقات حتى الآن

لا تعليقات حتى الآن. بدء مناقشة جديدة.

أضف تعليق