العودة إلى المدونة

شح المياه.. قلق مزارعي طمون الدائم قبل كل صيف
مع بداية كل موسم زراعي ينشغل المزارع الفلسطيني بقلق يرافقه لا يتوازى وغيره من المزارعين في مناطق اخرى.. فهنا لا تحتكر الطبيعة ولادة التحديات
معالجات محلية وأزمة متصاعدة
شح المياه.. قلق مزارعي طمون الدائم قبل كل صيف
طمون- إسراء بشارات- منصة ظل:
مع بداية كل موسم زراعي ينشغل المزارع الفلسطيني بقلق يرافقه لا يتوازى وغيره من المزارعين في مناطق اخرى.. فهنا لا تحتكر الطبيعة ولادة التحديات حيث يشاطرها الاستعمار بفرض المزيد منها. إذ لا يمكن فصل أزمة المياه عن السياق السياسي، حيث توثق التقارير وجود قيود على الوصول إلى مصادر المياه وحفر آبار جديدة فتتراجع حصة الفلسطيني من المياه في الوقت الذي تتضاعف فيه من سبعة إلى عشرة أضعاف لصالح المستوطنين ناهيك عن حفرهم لآبار على عمق أعلى في الوقت الذي يحدد فيه العمق المسموح به للفلسطيني بما لا يزيد عن 120-140 مترا إذا مُنح التصريح ما لم تُسلب أرضه أصلاً. حيث تشير البيانات الى أن 30% فقط من مساحة اراضي طمون وعاطوف المتاحة أمام أصحابها من أصل 94,930 دونم. ما يعني أن أغلب الأراضي الخصبة لم تعد بيد المزارع.
في طمون، ينشغل المزارع باسل بني عودة بقلق يرافقه منذ 14 عاماً يمتهن فيها هذا العمل، حول توفير مياه الري لمحاصيله. إذ تشكل المياه بوصلة الموسم الزراعي كما يقول بني عودة، فنسبها وتوفرها ومعيقات الحصول عليها تحدد بالنسبة للمزارع جدول محاصيله المجدية. "السنة مقدرتش أزرع سبع دونمات خارجية، قلة المي خلتنا نبطل نزرع بره" يضيف عودة. هذا ما يؤكد عليه عدة مزارعين في منطقة طمون، حيث يفضل المزارع الزراعة في البيوت البلاستيكية لتقليل استخدام المياه، خاصة في الصيف.
يفاقم جفاف الآبار هذه الأزمة، ويشير أحد موزعي المياه في طمون محمد أبو طميس إلى أن القدرة التشغيلية لأحد الآبار المركزية التي كانت تعتمد عليها البلدة كانت 200 كوب/ساعة، اما اليوم فقد جف هذا البئر، كما العديد من الآبار المشابهة، ما أدى لارتفاع تكلفة المياه والري، والتي أصبحت تتراوح بين 2.8-3 شيكل/كوب، وفق ما يشير المزارع ع.ب، الذي يصفها بالمرتفعة مقارنة بالمحافظات الأخرى.
تشكل المياه عصب حياة طمون واقتصادها الزراعي، إذ يشير أبو طميس إلى أن معدل استهلاك البلدة اليومي من المياه يصل إلى 6 آلاف كوب، وهو معدل آخذ في الارتفاع في ظل توسع المساحات المزروعة، والتي شكلت ملاذاً مهماً للعمال الذين فقدوا أعمالهم في الداخل، وفق ما يشير مسؤول ملف المياه في بلدية طمون سعد بشارات.

سياسات محلية وشراكات
أمام هذه التحديات المتشابكة، تبرز الحاجة إلى تدخلات من سياساتية وإجرائية رسمية، من قبل الحكومة والهيئات المحلية، وبالتعاون مع القطاع الخاص من جهة.، يؤكد بشارات أن البلدية تقدم التسهيلات الممكنة وتعمل بالشراكة مع أصحاب الآبار الخاصة لضمان عدالة التوزيع وضمان وصول المياه للجميع، وهذا ما يوافقه عليه أبو طميس، ويلفت بشارات إلى عدة مبادرات ومشاريع مشتركة مع مؤسسات مجتمع مدني تهدف لتنظيم إدارة المياه الزراعية بشكل خاص.
من جانب آخر، يوضح المختص في سياسات المياه والزراعة بمعهد أريج، أنس السايح، أن المعهد ساهم في عملية التنظيم لهذا القطاع على مستوى طمون، ضمن عمله وشراكته الأوسع مع كافة الأطراف في تطوير سياسات مستجيبة تحقق الدعم المائي المستدام لقطاع الزراعة، موضحاً أن "اريج" وقع اتفاقية تعاون مع بلدية طمون عام 2026، لتزويد بئر زراعي بمضخة مياه غاطسة، بالتعاون مع وزارة الزراعة وبدعم من برنامج الأغذية العالمي (WFP).
من جانبه، يعتبر بشارات ان الجهود الحالية تنصب على ضمان إدارة الموارد المائية المتصلة بقطاع الزراعة عبر تنظيم تشغيل الآبار، وتشجيع استخدام مصادر الطاقة البديلة لتقليل التكلفة المترتبة على استخدام الكهرباء. موضحاً أن البلدية عملت على شراء المياه من الآبار الخاصة لتغطية الفجوة في التوريد، وقامت بتركيب نظام طاقة شمسية على بئر البلدية الزراعي، وقد تم انجاز هذا المشروع في شهر نوفمبر الفائت، بالتوازي مع انجاز اعمال الصيانة في البئر المذكور خلال شهر نيسان الجاري ليعمل بقدرة تشغيلية كاملة.
فجوة كبيرة
تبقى هذه السياسات المحلية محدودة أمام تفاقم الأزمة على أرض الواقع، ويشير السايح إلى ذلك: " هناك مناطق مختلفة في طمون ما زالت تعاني من أزمة المياه، وخصوصاً منطقة البقيعة، نظرا لزيادة أعداد المستثمرين والتوجه الكبير الى الزراعات المكثفة من قبل صغار ومتوسطي المزارعين".
أما أبو طميس فينوه إلى وجود قلق حقيقي اليوم مع تصاعد أزمات الطاقة، والخوف من انقطاع الكهرباء، بما قد يؤدي إلى تذبذب وصول المياه إلى المزارعين وتشكيل صدمة وخسائر فادحة بهذا القطاع، "الكهرباء كلشي، فش كهرباء فش مي، عشان هيك مهم دعم مشاريع الطاقة البديلة عند أصحاب الآبار". أما السايح فيشدد على أن مشاريع الطاقة البديلة خطوة أولى ضرورية لا بد من التأكد بعدها على تدريب طواقم متخصصة يمكنها القيام بتشغيل وصيانة الآبار وأنظمة الطاقة.
فجوة على الأرض
تكشف هذه المعطيات وجود فجوة بين الأهداف التي تسعى إليها السياسات العامة، والمتمثلة في تقليل التكاليف وتحقيق استدامة الموارد المائية، وبين الواقع الذي يعيشه المزارعون. فعلى الرغم من وجود تدخلات عملية ومشاريع واعدة، إلا أن تأثيرها لا يزال محدودًا أو غير مكتمل، سواء بسبب تأخر التنفيذ، أو محدودية التغطية، أو استمرار العوامل الخارجية مثل ارتفاع التكاليف والجفاف.
في ظل هذا الواقع، يظل صوت المزارعين حاضراً الذين يجدون أنفسهم في مواجهة تحديات مركبة تجمع بين محدودية الموارد وارتفاع التكاليف، مطالبين بزيادة عدد الآبار المزودة بالمضخات ودعم تكاليف الكهرباء بالدرجة الأولى ومتابعة صيانتها وتشغيلها لضمان استدامتها.
وبين هذه الجهود والتحديات، يبقى القطاع الزراعي في طمون بحاجة إلى مزيد من التكامل في السياسات، وتسريع في تنفيذ الخطط والتدخلات على كل المستويات، لضمان استمراريته
كرافعة اقتصادية واجتماعية مهمة. وتتصاعد ضرورة هذا الدعم في ظل استهداف هذه المنطقة بإجراءات المصادرة والالتهام الاستيطاني وبرامجه التي تهدد مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية في البلدة، حيث تشير البي عاطوف أصبحت خارج متناول أصحابها يمنعون من الوصول إليها رغم ملكيتهم لها، فيجد المزارع نفسه بين مطرقة المصادرة المباشرة وسنديان الاستنزاف الممنهج لما تبقى فيتحول الاستثمار بالأرض من ملاذ اقتصادي آمن إلى مخاطرة حقيقية.
لا تعليقات حتى الآن. بدء مناقشة جديدة.