العودة إلى المدونة
آراء في السياسات

التربية الإعلامية ومرتكزات السيادة الرقمية الناعمة

5 دقائق قراءة 26 أبريل 2026

في ظل ما نشهده اليوم من تحولات جيوسياسية ورقمية ومعرفية؛ لم يعد مفهوم السيادة محصوراً في تعريفاته الكلاسيكية من أفراد وحدود وموارد؛ بل امتد

بقلم: ثائر ثابت
 في ظل ما نشهده اليوم من تحولات جيوسياسية ورقمية ومعرفية؛ لم يعد مفهوم السيادة محصوراً في تعريفاته الكلاسيكية من أفراد وحدود وموارد؛ بل امتد ليطال فضاءات ومساحات فكرية وفلسفية ونفسية، ومع تزايد وتوسع نطاق هيمنة الخوارزميات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي وتأثيراته المضطردة في سياق إعادة تشكيل وهندسة الوعي الجمعي وتوجيه الرأي العام؛ تبرز هنا التربية الإعلامية والمعلوماتية أو الرقمية ليس كترف أو شعار مبتذل لحملة انتخابية؛ بل كضرورة لمرتكزات سياساتية لها حضورها في قلب السيادة الرقمية الناعمة للأنظمة والدول.
من الرقمنة إلى سلطة العقل
ما يفرضه الذكاء الاصطناعي في عصرنا الراهن لا يقتصر على وظائف رقمية وتعليم رقمي وبيوت رقمية؛ بل رقمنة وأتمتة التفكير، ومن هنا يأتي الدور المركزي لإعمال سلطة العقل؛ فالتربية الإعلامية والرقمية من منظور سياساتي يجب أن تنتقل من تعلم المهارات والآليات إلى تمكين الكفايات العليا التي تركز بشكل رئيس على ملكات ومهارات التفكير النقدي والتحليلي والإبداعي والتفكيكي للمضمون والمحتوى، وتعزيز لغة الشك ورفض المُسَلمات والقوالب الجاهزة. السيادة الناعمة تبدأ حين يمتلك أفراد المجتمع كلهم القدرة على التمييز بين الخبر الكاذب والمضلل والشائعة والتزييف العميق، وبين المعلومات والأخبار الموثوقة وحملات التضليل والتشويه الممنهجة التي تستهدف البنية المجتمعية.
من الصورة العامة إلى الاقتراب قليلاً نحو فضاء التعليم ومؤسساته؛ فالحديث عن الكفايات بات يتجاوز حدود الغرفة الصفية؛ ليرتبط بالاستراتيجيات الوطنية العليا، ومن هنا تتطلب السيادة بناء منظومات شاملة في التربية الإعلامية والرقمية من خلال إعداد جيل يمتلك سلطة العقل والوعي والكفايات العميقة التي تجعله فاعلاً متفاعلاً منذ صفوف الروضة حتى مقاعد الجامعة.
وفي السياق الفلسطيني؛ ومنذ سنوات تشهد أروقة المؤسسات الرسمية والأهلية والقطاعات المجتمعية حراكاً لبلورة سياسة وطنية جامعة؛ وهي ستشكل قاعدة معرفية صلبة من شأنها تحويل المواطنين من مستهلكين سلبيين للمعلومات إلى فاعلين نقديين ومساهمين في خلق حالة من الوعي المستدام ومدافعين عن أسوار السيادة الرقمية الناعمة مع مراعاة ما يفرضه العالم الرقمي من تحديات ومتغيرات مربكة.
 المواطنة الرقمية: عقد اجتماعي جديد
وعن الخيط الرفيع الذي يربطهما؛ تبدو التربية الإعلامية متماسكة ومندمجة مع سنارة المواطنة الرقمية؛ ومن دونها لا يمكن نسج ثوب السيادة، وهنا تستوجب الحاجة الانتقال من المواطنة الدفاعية التي تخشى التكنولوجيات إلى المواطنة الإيجابية الفاعلة التي تستثمر في الفضاءات الرقمية؛ لتعزيز منظومة القيم الإنسانية والوطنية؛ والأهم أن نضمن تحويلها إلى أداة لتمكين المجتمع بدلاً من شرذمته؛ عبر تأصيل خطاب عقلاني يحترم الاختلاف والقيم الإنسانية والوطنية وينبذ التطرف الفكري والكراهية.
 وقد تبدو فلسفة المفكر باولو فريري في هذا السياق ضرورة ملحة؛ فالتربية الإعلامية وكذلك المواطنة الرقمية لا يمكن لهما أن تتحقق بما يعرف بالتعليم البنكي الذي يلقن المتعلم تلقيناً، بل بالتربية الحوارية التي تحرر العقل من الهيمنة، وتحول الأفراد من مستهلكين إلى فاعلين.
وقد يبدو السؤال الموجز هنا؛ كيف ذلك؟ وما آلية تحويل هذه المقاربة إلى واقع ملموس؟ قد تبدو اجتهادات لكنها منطلقات ومسارات ينبغي على صانعي السياسات التركيز عليها: 
تأصيل الوعي: من خلال إدماج التربية الإعلامية والرقمية كمطلب استراتيجي في مختلف القطاعات وباعتبارها الدستور الأعلى للوعي والسيادة الرقمية.
توطين المعرفة: عبر دعم الأبحاث والمنصات التي تعزز المحتوى القيمي الوطني في مواجهة التضليل والكراهية والتطرف والشائعات وغيرها.
الشراكة العابرة للقطاعات: من خلال بناء تحالفات وشبكات قوية بين مختلف القطاعات من أجل تعزيز الاستجابة الواعية للقفزات المتسارعة للذكاء الاصطناعي.
   ختاماً؛ يمكن القول إن التربية الإعلامية والرقمية في جوهرها هي سياسة استباقية؛ أو مساق إجباري لا اختياري؛ لبناء مجتمع منيع ومتماسك فكرياً؛ وفي عالم تقوده وتحكمه البيانات والخوارزميات، تظل سلطة العقل هي الضامن الوحيد للسيادة الرقمية الناعمة للدول.














لا توجد تعليقات حتى الآن

لا تعليقات حتى الآن. بدء مناقشة جديدة.

أضف تعليق