العودة إلى المدونة

من الحقل إلى السوق: أزمات سلاسل التوريد تودي بالمزارع وتهدد الزراعة
تضاعفت آثار الأزمات الاقتصادية والسياسية على المزارعين الفلسطينيين في الضفة الغربية، فلم تعد التحديات محصورة في الحقل والإنتاج، بل امتدت إلى
سياسات اقتصادية- سياسات بيئية
من الحقل إلى السوق: أزمات سلاسل التوريد تودي بالمزارع وتهدد الزراعة
رام الله- روتانا جمال- منصة ظل:
تضاعفت آثار الأزمات الاقتصادية والسياسية على المزارعين الفلسطينيين في الضفة الغربية، فلم تعد التحديات محصورة في الحقل والإنتاج، بل امتدت إلى ما بعد جني المحاصيل. وفي إحدى قرى غرب رام الله، يقف المزارع مهدي البرغوثي صباحًا على أطراف أرضه، يتفقد محاصيله بعد أشهر من العمل والتكاليف ورغم وفرة الإنتاج ينظر بقلق إلى صناديق الخضار المتكدسة، إذ لا يستطيع تجاوز تحديات التسويق.
يعتقد البرغوثي، مسبقاً، أن جزءًا كبيرًا منها لن يصل إلى السوق في الوقت المناسب، معتبراً أن التسويق الزراعي يواجه تحديات مركبة منها الطرق غير المضمونة، وارتفاع تكاليف النقل، وغياب مراكز التخزين، وتقلبات الأسعار.
يشير البرغوثي إلى أن هذه العوامل تجعل نجاح الموسم مرهونًا بقدرة المنتج على الوصول إلى السوق، لا بوفرة الإنتاج وحدها، موضحاً أن هذه التحديات تتكرر مع عشرات المزارعين، وتكشف أن المزارع الفلسطيني يظل الطرف الأضعف في سلسلة توريد طويلة، ما يقلب التحديات من أن تكون تحديات ما قبل الإنتاج إلى ما بعده، بما يؤثر على قدرة قطاع الزراعة في توفير دخل مستقر وآمن للعائلة الفلسطينية.
هنا، لا تمثل تجربة البرغوثي حالة فردية، بل تعكس واقعا يعيشه كثير من المزارعين في الضفة الغربية، حيث لا تنتهي التحديات عند حدود الزرعة والإنتاج، بل تبدأ مرحلة أكثر تعقيدا بعد الحصاد. فالمحصول يمر بسلسلة طويلة من المراحل قبل أن يصل إلى المستهلك، تشمل النقل والتخزين والتسويق والتوزيع، وهي ما تعرف بسلاسل التوريد الزراعية. وفي كل حلقة من هذه السلسلة تتداخل عوامل اقتصادية وبنيوية تؤثر بشكل مباشر على قدرة المزارعين على بيع منتجاتهم وتحقيق عائج عادل، لذلك، لا يمكن فهم أزمة المزارعين بمعزل عن السياسات التي تنظم هذه السلاسل وأليات عملها ومحدداتها، والدور الذي تلعبه المؤسسات الحكومية في تنظيمها.
تعتمد السياسات الحكومية المرتبطة بسلاسل التوريد الزراعية في فلسطين، على تدخلات تمتد عبر مراحل الإنتاج المختلفة، بدءا من مدخلات الإنتاج وصولا إلى التسويق النهائي. ويوضح مدير عام الإرشاد في وزارة الزراعة صلاح البابا ، إن هذه السياسات تقوم أساسا على تنظيم تدفق المدخلات الزراعية من خلال أنظمة رسمية تضبط استيراد الأعلاف والمبيدات والبذور، وتحدد شروط الفحص والجودة، في ظل اعتماد كبير على الاستيراد الخارجي. ويُوضح البابا دور الوزارة قبل مرحلة الإنتاج، حيث تعمل على دعم المزارعين من خلال تدريبهم، وتزويدهم بالبذور والأسمدة والأشتال اللازمة، مشيراً إلى أن دورها يمتد أيضًا خلال مرحلة الإنتاج، إذ تركز الوزارة على تقليل الفاقد الزراعي من خلال ما يعرف بعمليات ما بعد الحصاد، والتي تشمل الفرز والتدرج، والتعبئة، وهي إجراءات تهدف إلى تحسين جودة المنتج وزيادة فرصة تسويقه.
يشير البابا إلى عدة برامج لدعم المزارعين عبر إنشاء بيوت تعبئة، وثلاجات تبريد، وتوفير وسائل نقل مبردة، منوها إلى أن هذه البرامج غالبا ما تنفذ من خلال مشاريع بالشراكة مع مؤسسات دولية وجمعيات تعاونية.
أما على مستوى التسويق، فيوضح البابا أن الوزارة تتبنى سياسات تهدف إلى تقليل عدد الوسطاء من خلال تشجيع التسويق المباشر، سواء عبر ربط المزارعين بمحلات التجزئة أو من خلال المهرجات التسويقية، بما يساهم في رفع حصة المزارع من السعر النهائي للمنتج، مشيراً إلى بروز توجه لتعزيز التسويق الرقمي والتجارة الإلكترونية كأدوات بديلة لتوسيع وصول المنتجات للأسواق.

من جهته، يوضح مسؤول فني في وزارة الزراعة أن بداية السلسة الزراعية في فلسطين تعتمد بشكل كبير على الاستيراد، موضحًا أن معظم الأسمدة الزراعية والبذور يتم استيرادهم من الخارج، وأن ما يقارب 95% من بذور الخضروات مستوردة، في حين يتم إنتاج جزء محدود من الشتلات داخل المشاتل المحلية.
أما على المستوى الاقتصادي فيوضح مدير عام للأبحاث والسياسات في وزارة الاقتصاد الوطني رشاد يوسف، أن سلاسل التوريد الزراعية تلعب دورا مهما في الأمن الغذائي والاقتصاد الفلسطيني، في ظل اعتماد كبير على استراد مدخلات الإنتاج، خصوصا في الثروة الحيوانية. ويشير يوسف إلى أن قيمة استيراد الأعلاف تجاوزت 440 مليون دولار في سنوات سابقة، في حين تغطي المصانع المحلية ما بين 25% إلى 30% فقط من احتياجات السوق، رغم افتتاح مصنعين خلال السنوات السابقة. أما على مستوى التسويق، فيلفت يوسف إلى وجود تفاوت كبير في توزيع العائدات داخل السلسلة، حيث قد يبيع المزارع المنتج بسعر يتراوح بين 3 إلى 4 شواكل للكيلوغرام، بينما يصل إلى المستهلك بأكثر من 10 شواكل، نتيجة تعدد الوسطاء، وتكاليف النقل والتوزيع مما يعني أن هامش الربح يتجه للوسطاء.
يجمع المختصون من وزارتي الزراعة والاقتصاد على أن ضعف التمويل وغياب مصادر دعم محلية يشكلان أبرز التحديات، وينوه البابا إلى الأزمة المالية الحالية، إذ تتركز الموازنة الحكومية في تغطية النفقات التشغيلية والرواتب، فتشكل موازنة وزارة الزراعة رغم أهميتها 1% من النفقات الرسمية، بينما تبقى المخصصات الموجهة للمشاريع التطويرية محدودة، وغالبًا ما تعتمد على تمويل خارجي يشهد تراجعًا في ظل الواقع السياسي الراهن. إلى جانب ذلك، تشكل القيود المفروضة من قبل الاحتلال على الحركة والتنقل عائقًا رئيسيًا أمام تطوير قطاع الزراعى، إذ تؤدي على إعاقة وصول المزارعين إلى أرضيهم وأسواقهم، وتزيد من نسبة الفاقد في المحاصيل. كما يسهم التوسع في الاستيطان الرعوي، الذي بات يسيطر على ما يزيد عن 65% من الأرضي، في تقليص المساحات الزراعية المتاحة. وفي سياق متصل ينوه رشاد إلى هيمنة الوسطاء على عمليات التسويق كأحد أبرز التحديات، وهذا ما يؤدي إلى تقليص حصة المزارع من الأرباح، وتعزيز اختلال التوازن داخل سلاسل التوريد الزراعية.
بين الحقل والسوق، يبقى المزارع الفلسطيني عالقًا في سلسلة طويلة لا تعكس حجم جهده الحقيقي. ومع ذلك، تبرز فرص لإعادة التوازن، من خلال تعزيز التسويق المباشر عبر تدريب المزارعين على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لأنشاء صفحات بيع مباشر، وتطوير التسويق الرقمي وعمل على مخازن تبريد وتأهيل الأسواق المركزية، وتعزيز الزراعة التعاقدية، يمكن أن يسهم في تقليل الفجوة بين المنتج والمستهلك. أما على المستوى الاستراتيجي بعيد الأمد، الاتجاه نحو تقليل الاعتماد على الاستيراد عبر دعم وتوجيه القطاع الزراعي نحو تصنيع محلي للأعلاف المركبة، وإنشاء بنوك بذور وطنية لحفظ وتطوير الأصناف المحلية المقامة للجفاف والآفات، وتدريب المزارعين على تقنيات إنتاج البذور وحفظها، وتوسيع دعم المشاريع الصغيرة، يمكن أن يسهم في تمكين المزارع من الحصول على نصيب عادل من القيمة التي ينتجها، ويعزز من دور القطاع الزراعي في الاقتصاد. في النهاية، لا يتعلق الأمر فقط بإنتاج الغذاء، بل بإعادة توزيع الفرص داخل السلسلة، بحيث يصبح المزارع شريكًا حقيقيًا في الربح، لا الحلقة الأضعف فيها.
لا تعليقات حتى الآن. بدء مناقشة جديدة.