العودة إلى المدونة

مخيمات تحت الضغط: "البنية التحتية والخيارات البديلة في مخيمي نور شمس وطولكرم"
تتفاقم معاناة المهجرين من مخيمي نور شمس وطولكرم، بعد أكثر من 14 شهراً من التهجير القسري، الذي حول واقعهم المعيشي من أزمة طارئة إلى معاناة
مخيمات تحت الضغط: "البنية التحتية والخيارات البديلة في مخيمي نور شمس وطولكرم"
طولكرم- بيسان الجيوسي- منصة ظل
تتفاقم معاناة المهجرين من مخيمي نور شمس وطولكرم، بعد أكثر من 14 شهراً من التهجير القسري، الذي حول واقعهم المعيشي من أزمة طارئة إلى معاناة متفاقمة لا تجدي معها الاستجابات الإغاثية المؤقتة. ففي مخيم طولكرم وحده، تم تهجير السكان البالغ عددهم 17 ألف نسمة قصراً أي ما يقارب3500 عائلة، ويضاف اليهم 2000 نازح من الأحياء المجاورة، بينما بلغ عدد المهجرين من مخيم نور شمس أكثر من 13 ألف مواطن.
أعاد واقع التهجير القسري من المخيمين تشكيل الفضائيين الاجتماعي والاقتصادي في مدينة طولكرم، والمحافظة ككل، وانعكس على أولويات المؤسسات المحلية، التي تحاول التعامل مع هذه التحديات في ظل إمكانيات ضعيفة. وخلال مدة العمليات العسكرية الممتدة منذ كانون الثاني 2025، مدد الاحتلال بقائه في مخيمي طولكرم ونور شمس في أكثر من مناسبة، ومع نهاية اذار الماضي، أبلغ الاحتلال الجهات الرسمية الفلسطينية عن تمديد عملياته في المخيمين حتى نهاية أيار.
وخلال مدة هذه العمليات العسكرية، الممتدة منذ كانون ثاني 2025، مدد الاحتلال بقائه في المخيمين في أكثر من مناسبة، ومع نهاية آذار الماضي، أبلغ الاحتلال، عبر الارتباط العسكري، الجهات الرسمية الفلسطينية، عن تمديد عملياته في المخيمين حتى نهاية أيار المقبل.
لم تقتصر المعاناة على لحظات التهجير القسري المفاجئ من المنازل، بل امتدت لتشمل المعاناة فيما بعد: البحث عن مأوى، تأمين الاحتياجات الأساسية، والتعامل مع بنية تحتية لم تعد قادرة على الصمود تحت هذا الضغط المتزايد.

تدمير واسع واستجابات "ترقيعية"
دمر الاحتلال 1100 وحدة سكنية بالكامل في مخيم طولكرم، وتضررت 3300 وحدة جزئياً، بينما وصلت أرقام الوحدات السكنية المدمرة بشكل كامل في مخيم نور شمس الى 570 منزلاً، فيما تضرر2750 وحدة جزئياً، بالإضافة الى 65 بيتاً ومنشئة تم احراقها.
وأمام هذا الواقع، حاولت المؤسسات المحلية تقديم استجابات للاحتياجات المتصاعدة، لكن هذه الاستجابات جاءت في ظل غياب سياسات حماية اجتماعية شاملة وتكاملية. فبعد أشهر من الاستنزاف لسكان المخيمين، اجبروا على النزوح بشكل جماعي دون حمل أية أمتعة أو مستلزمات تساعدهم على الصمود لنزوح طويل.
طرحت الحالة غير المسبوقة في المخيمين أسئلة متلاحقة حول مراكز وأماكن الإيواء البديل، آليات الصمود في ظل عدم الاستقرار. وهنا يشير رئيس اللجنة الشعبية للخدمات في مخيم طولكرم فيصل سلامه إلى لحظات النزوح الأولى " كان المشهد مربكاً ومؤلماً، لم يكن امامنا فرصة للتخطيط والترتيب، خرج الناس من المخيمات فجأة وكانت المأوي المتاحة هي المساجد والمدارس، لكن بدأنا بالاتصالات بشكل مباشر للبحث عن حلول تضمن كرامة المواطن، بدأنا باتصالاتنا مع كل الأطراف بالتوازي مع فزعة شعبية، حيث فتحت البيوت لاستقبال العائلات، وبذلنا جهوداً كبيرة مع الشركاء والمجتمع المحلي لتأمين المستلزمات الأساسية، من أغطية وطعام واحتياجات أساسية أخرى.
بالمقابل، يقر سلامه أن حجم الاحتياج الهائل لم يكن التحدي الوحيد الذي يواجه المؤسسات، حيث تفتقر هذه التدخلات لإطار تنظيمي جامع وآليات تنسيق مرجعية. وفي تفصيل أولويات التدخلات المستجيبة لتداعيات النزوح القسري، يشير سلامة إلى أن السكن يبقى أول وأهم التحديات التي ما تزال ماثلة، إذ أن معظم المواطنين وجدوا نفسهم مضطرين الى اللجوء لبيوت أقاربهم ومعارفهم، ما خلق ضغطاً اجتماعياً كبيراً. إلى جانب ذلك، يوضح سلامة أن مراكز الإيواء في مدينة طولكرم، كانت مؤقتة وغير مجهزة لاستقبال المواطنين لفترات طويلة وكثافة نزوح بهذا الحجم.
وبذات السياق، يوضح رئيس اللجنة الشعبية للخدمات في مخيم نور شمس نهاد الشاويش أن حجم المعاناة في المخيم لم تكن أقل من مخيم طولكرم، موضحاً أن أزمة السكن تمتد لتشمل كل تفاصيل الحياة اليومية " مطلوب منا المساعدة بتلبية احتياج كل مواطن أجبر على النزوح من المخيم، أولى هذه الاحتياجات المساعدة المالية المباشرة، ما يشكل ضغطاً هائلاً على مواردنا المحدودة، فالمواطن بحاجة لتوفير تكاليف السكن والكهرباء والمياه وغيرها".
يشير الشاويش إلى أن أزمة الخدمات تلاحق النازحين على كافة المستويات، من حيث جودة وتكلفة الخدمات الأساسية، أما في داخل المخيم فتفاقمت أزمات البنية التحتية بشكل متراكم إثر كل اقتحام، حيث كانت الطرق وشبكات الصرف الصحي والمياه والكهرباء هدفاً للاحتلال، ما أدى لخسائر فادحة. يوضح سلامة أن محاولات إصلاح البنية التحتية حالياً غير مجدية وهي حلول "ترقيعية" تستنزف الموازنات الشحيحة أصلاً، ما يخلق إحباطاً واسعاً لدى المؤسسات المحلية التي تدرك ذلك، لكنها مجبرة على رصد الموارد لهذه الحلول لتوفير الحد الأدنى من الحلول للمواطنين.
"فزعة" المؤسسات المحلية لم تقدم حلولاً مستدامة
يقف المواطن، ومؤسسات طولكرم، أمام سؤال الانتقال من الفزعة إلى الاستجابات المدروسة والاستراتيجية، فرغم الدور المحوري للمؤسسات المحلية في التعاطي مع صدمة النزوح القسري، عبر حراك مجتمعي واسع وتضامن شامل شكل شبكة أمان مهمة، إلا أن هذه الاستجابات تفتقر للتنسيق المنظم بين كافة الأطراف المحلية، على مستوى المحافظة، ومع الأطراف الأخرى، سواء مركزية على مستوى الحكومة أو دولية، تؤكد رئيسة مركز نسوي مخيم نور شمس إيمان حماد أن هذه الجهود التي بدأت مع النزوح في كانون ثاني 2025، كان من غير المتوقع أن تستمر على ذات الوتيرة دون وجود خطة وآليات تنسيق استراتيجية.
تعتبر حماد أن غياب السياسات الموحدة والخطط التي تنظم عمل جميع الأطراف وتحدد أولويات التدخل والإسناد، يؤدي إلى ضعف الاستجابات وتكرار ذات الأخطاء، ولا يساعد في مراكمة الدروس من التجربة لبناء نظام استجابة محلي أكثر مناعة وفعالية.
يشير الشاويش إلى محاولات تنسيق سابقة، فشلت بسبب كونها محدودة أو انتقائية، مؤكداً أن بعض حالات التنسيق كانت رمزية دون وجود أثر على الأرض، ما أدى لازدواجية في بعض التدخلات وفجوات في تدخلات أخرى، حيث لا تصل المساعدات إلى من هم في أمس الحاجة إليها في بعض الحالات، بسبب سوء التنسيق او ضعف الموارد، أو غياب التنظيم والأطر المؤسساتية، دون إهمال عوامل سياسية أخرى تعقد عمليات التخطيط والتنفيذ. ويحذر الشاويش من تبعات أكثر قسوة في المستقبل في حال تكررت حالات النزوح القسري، بسبب عدم وجود آليات الاستجابة المطلوبة.
حلول شاملة أمام هشاشة مركبة
في سياق اخر، تشير رئيسة جمعية نور شمس لتأهيل المعاقين نهاية الجندي، إلى أن ذوي الإعاقة هي من الفئات الأكثر هشاشة والأكثر تضرراً من صدمة النزوح القسري. موضحة أن ذوي الإعاقة يواجهون صعوبات على جميع الأصعدة، حيث يصعب على الجهات المسؤولة في ظل خارطة انتشار النزوح الواسعة، وتعقيدات تأمين احتياجاتهم الخاصة في ظل غياب تجهيزات مناسبة، مشيرة إلى أن "الأزمة الأخيرة أصعب منا وأصعب من كل اللجان الشعبية وأصعب من كل الوزارات، ذوي الإعاقة بحاجة لسياسات تراعي احتياجاتهم وتدخلات حساسة لواقعهم المعقد، بإنصاف وشمول". تشير حماد إلى أن النساء يتحملن أعباء إضافية، حيث يضاعف النزوح من مسؤولياتهن بإدارة الأسرة في ظرف غير مستقر، فيما يعيش الأطفال تبعات نفسية وتعليمية ومعيشية، ما يجعل أثر النزوح عميقاً على كامل أفراد الأسرة.
تكشف هذه المعاناة للمواطنين من مخيمي نور شمس وطولكرم عن اخفاق كبير وفجوة واضحة بين الواقع والسياسات. إذ أن شح الإمكانيات غياب الرؤية الشاملة والتخطيط الممنهج للأزمة وما بعدها يشير إلى ضرورة وجود عملية تخطيط استراتيجي شامل وسياسات مركزية تضمن تكامل الأدوار والتعامل الرابط بين الأزمات.
فأزمة النزوح القسري تتزامن مع أزمات اقتصادية شاملة تضرب المجتمع الفلسطيني، في ظل انقطاع رواتب العاملين في القطاع العام، وتوقف العمل في الداخل، والركود في السوق المحلي، والتضخم.
كما ان أزمة النزوح القسري في طولكرم ليست إلا واحدة من عدة أزمات مشابهة، منها النزوح القسري في مخيم جنين، والأغوار. ما يشير إلى أهمية أن تكون أية استراتيجية وطنية شاملة تشكل خارطة طريق لإدارة الأزمات ومعالجتها.
فمن المفيد مراجعة منهجيات التعامل الشامل في هكذا سياق، كمنهج الترابط الثلاثي Triple nexsus، والذي يربط الإغاثة بمرحلة ما بعد انتهاء الأزمة التي تتطلب استجابات تتجاوز إعادة الإعمار وتصل لضمان السلم الأهلي والتماسك المجتمعي، ما يضمن التأسيس لنظام استجابة وطني.
إن أية تدخلات مستقبلية تحتاج بالضرورة لنظام يجمع المؤسسات من القطاعات العام والخاص والأهلي، وينخرط فيها الجميع بأدوار تتصل بتخصصاتهم وقدراتهم وحضورهم الميداني، خاصة أن واحداً من أبرز نتائج استهداف المخيمات في طولكرم كان إضعاف وكالة غوث وتشغيل اللاجئين وتراجع قدرتها على الدعم والإسناد.
وفي ظل الواقع الحالي، من المهم انخراط كافة المؤسسات الداعمة في نظام المساعدات الموحد، والذي تقوم بتطويره وزارة التنمية الاجتماعية ليقدم منصة تسمح بوصول أكثر عدالة للمساعدات، ويمنع حرمان مواطنين وتراكم المساعدات لدى آخرين. بالتوازي، يمكن استثمار إمكانات المؤسسات المحلية لتطوير قواعد البيانات هذه كي لا تقتصر على المساعدات العينية والمادية، بل لتشكل مسحاً اجتماعياً يتم تحديثه بشكل دوري ومستجيب لطبيعة النزوح وتحدياته المستمرة.
لا تعليقات حتى الآن. بدء مناقشة جديدة.