العودة إلى المدونة
آراء في السياسات

واجب الحماية الغائب: فجوة الرعاية في المؤسسات الإنسانية الفلسطينية

5 دقائق قراءة 11 يوليو 2026
واجب الحماية الغائب: فجوة الرعاية في المؤسسات الإنسانية الفلسطينية

يشكل واجب الحماية والرعاية (Duty of Care) أحد المبادئ الأساسية في العمل المؤسسي والإنساني

يشكل واجب الحماية والرعاية (Duty of Care) أحد المبادئ الأساسية في العمل المؤسسي والإنساني، إذ يفرض على المؤسسات مسؤولية توفير بيئة عمل آمنة وصحية تضمن حماية العاملين من المخاطر المهنية والجسدية والنفسية. وقد اكتسب هذا المفهوم أهمية متزايدة في البيئات المتأثرة بالنزاعات والأزمات، حيث تتعاظم المخاطر التي تواجه العاملين، مما يجعل الحماية المؤسسية عنصرًا أساسيًا لاستدامة العمل الإنساني.
وفي السياق الفلسطيني، تواجه المؤسسات المحلية تحديات استثنائية ناجمة عن الاحتلال الإسرائيلي، والانقسام السياسي، ومحدودية الموارد، الأمر الذي يحد من قدرتها على تفعيل واجب الحماية بصورة شاملة ومستدامة. وفي ظل هذه الظروف، لم يعد واجب الحماية والرعاية مجرد التزام إداري أو أخلاقي، بل أصبح أحد الشروط الأساسية لاستمرار العمل الإنساني وضمان قدرة العاملين على أداء مهامهم في بيئة تتزايد فيها المخاطر.

واجب الحماية والرعاية

يُعد واجب الحماية والرعاية (Duty of Care) أحد المبادئ الأساسية في الإدارة المؤسسية والعمل الإنساني، ويشير إلى المسؤولية القانونية والأخلاقية التي تتحملها المؤسسات لضمان سلامة العاملين لديها وحمايتهم من المخاطر المهنية والجسدية والنفسية المرتبطة بأداء مهامهم. ولا يقتصر هذا الواجب على توفير بيئة عمل آمنة، بل يمتد ليشمل تطوير سياسات لإدارة المخاطر، والاستجابة للطوارئ، وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي، والتأمين الصحي، وآليات الشكاوى والمساءلة، بما يعزز رفاه العاملين واستدامة أدائهم.
ومع تصاعد الأزمات والنزاعات، حظي هذا المفهوم باهتمام متزايد داخل القطاع الإنساني، وأصبح جزءًا من معايير الحوكمة الرشيدة والمسؤولية المؤسسية، باعتباره ركيزة أساسية لضمان استمرارية العمل الإنساني وحماية العاملين فيه.
وبرز واجب الرعاية بصورة أوضح مع التوجهات الدولية لإصلاح النظام الإنساني، ولا سيما من خلال مبادرة الصفقة الكبرى (Grand Bargain) وميثاق التغيير (Charter for Change)، اللذين أكدا أهمية توطين العمل الإنساني وتعزيز دور المؤسسات المحلية في قيادة الاستجابة الإنسانية. كما شددا على ضرورة تحقيق العدالة في توزيع الموارد والمسؤوليات، وضمان تمتع العاملين المحليين بمستويات الحماية والرعاية نفسها التي يحصل عليها العاملون الدوليون. ورغم هذه الالتزامات، لا تزال الفجوة بين المبادئ المعلنة والتطبيق العملي قائمة، إذ تعاني المؤسسات المحلية من محدودية الموارد وضعف الدعم المؤسسي، الأمر الذي ينعكس على قدرتها في توفير منظومة متكاملة لواجب الرعاية.

واقع واجب الحماية في فلسطين

تعمل المؤسسات المحلية الفلسطينية في بيئة شديدة التعقيد تتداخل فيها تحديات الاحتلال الإسرائيلي مع الانقسام السياسي والقيود الاقتصادية ومحدودية الموارد. وتفرض هذه البيئة مخاطر أمنية ونفسية واجتماعية متزايدة على العاملين، في الوقت الذي تفتقر فيه معظم المؤسسات إلى أنظمة متكاملة لإدارة هذه المخاطر.
كما يفتقر السياق الفلسطيني إلى إطار وطني موحد ينظم واجب الحماية والرعاية، مما يجعل تطبيقه خاضعًا لاجتهادات المؤسسات وسياساتها الداخلية، التي تختلف من مؤسسة إلى أخرى من حيث مستوى الالتزام والشمولية. ونتيجة لذلك، تتباين مستويات الحماية المقدمة للعاملين، وتظل في كثير من الأحيان مرتبطة بإمكانات المؤسسة أو باشتراطات الجهات المانحة أكثر من ارتباطها بمعايير مهنية موحدة.
وتزداد هذه الفجوة بفعل غياب إطار وطني يحدد الحد الأدنى من معايير الحماية، وضعف السياسات المؤسسية المتعلقة بإدارة المخاطر، وخطط الطوارئ، والدعم النفسي، وإجراءات الاستجابة للحوادث. كما لا تزال الفوارق قائمة بين العاملين المحليين والدوليين في مجالات التأمين الصحي، والحماية الأمنية، والدعم النفسي، والتعويضات، رغم أن العاملين المحليين غالبًا ما يواجهون مستويات أعلى من المخاطر بحكم وجودهم الدائم في الميدان.
ويُفاقم الاعتماد على التمويل الخارجي هذه الإشكاليات، إذ يوجه الجزء الأكبر من التمويل نحو تنفيذ الأنشطة والمشروعات، بينما يحظى الاستثمار في حماية العاملين وبناء الأنظمة المؤسسية بأولوية أقل. ويضاف إلى ذلك محدودية الموارد البشرية والمالية، وضعف آليات المتابعة والتقييم والمساءلة، وغياب البرامج المنتظمة لبناء القدرات في مجالات السلامة المهنية، وإدارة الأزمات، والإسعافات الأولية، والصحة النفسية، وهو ما يحد من قدرة المؤسسات على تطوير منظومة حماية مستدامة وفعالة.

نحو منظومة أكثر عدالة للحماية

يتطلب تعزيز واجب الحماية والرعاية تبني حزمة متكاملة من السياسات على المستويين الوطني والمؤسسي، تبدأ بوضع إطار وطني يحدد الحد الأدنى من معايير الحماية والرعاية، ويلزم المؤسسات المحلية بتطبيقها بما يتوافق مع المعايير الدولية ويراعي خصوصية الواقع الفلسطيني.
كما ينبغي تطوير السياسات الداخلية للمؤسسات لتشمل تقييم المخاطر، وخطط الطوارئ، وإدارة الأزمات، والدعم النفسي، وآليات الإبلاغ عن الحوادث، وإجراءات المساءلة، إلى جانب تعزيز الحوكمة المؤسسية من خلال إنشاء آليات مستقلة للمتابعة والتقييم وقياس الأداء وربط نتائجها بخطط التحسين المستمر.
ويتطلب ذلك أيضًا إدماج واجب الرعاية في منظومة التمويل الإنساني عبر تخصيص موازنات مستقلة للتأمين الصحي، والدعم النفسي، وبناء القدرات، وتجهيزات السلامة المهنية، بما يضمن ألا تبقى حماية العاملين رهينة لتوافر التمويل أو أولويات المانحين.
ومن الضروري كذلك تقليص الفجوة بين العاملين المحليين والدوليين من خلال اعتماد سياسات أكثر عدالة في الحماية والامتيازات، تراعي حجم المخاطر الفعلية التي يتحملها العاملون المحليون، بالتوازي مع الاستثمار المستمر في برامج التدريب والتأهيل في مجالات إدارة المخاطر، والسلامة المهنية، والإسعافات الأولية، والدعم النفسي، والتعامل مع الأزمات.
ولا يكتمل ذلك إلا بتعزيز التنسيق والشراكات بين المؤسسات المحلية، والجهات الحكومية، والمانحين، والمنظمات الدولية، بما يسهم في توحيد معايير الحماية، وتبادل الخبرات، وبناء منظومة وطنية أكثر قدرة على الاستجابة للتحديات.
يمثل واجب الحماية والرعاية أحد المقومات الأساسية لاستدامة العمل الإنساني وتعزيز قدرة المؤسسات المحلية الفلسطينية على أداء رسالتها في بيئة تتسم بارتفاع مستويات المخاطر والتحديات. إلا أن تحقيق هذا الهدف يتطلب الانتقال من المبادرات الجزئية إلى سياسات وطنية ومؤسسية متكاملة تضمن توفير الحماية الجسدية والنفسية والمهنية لجميع العاملين دون تمييز.
وفي ظل استمرار التحديات السياسية والاقتصادية والإنسانية، لا ينبغي النظر إلى الاستثمار في حماية العاملين بوصفه تكلفة إضافية، بل باعتباره استثمارًا استراتيجيًا في استدامة المؤسسات وجودة الخدمات الإنسانية. كما أن بناء منظومة وطنية فاعلة لواجب الحماية لن يتحقق إلا من خلال شراكة حقيقية بين الحكومة، والمؤسسات المحلية، والجهات المانحة، والمنظمات الدولية، بما يرسخ مبادئ العدالة والمساءلة والاستدامة، ويضمن حماية من يقفون في الخطوط الأمامية للاستجابة الإنسانية.

منصور أبو كريم
بقلم

كاتب وباحث ومحلل سياسي فلسطيني متخصص في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية.

عرض جميع المقالات
لا توجد تعليقات حتى الآن

لا تعليقات حتى الآن. بدء مناقشة جديدة.

أضف تعليق