العودة إلى المدونة

سياسات إشراك الشباب الفلسطيني: تحديات تجربة المجلس الوطني الشبابي الفلسطيني
تُشكل السياسات العامة الموجهة للشباب الفلسطيني واحدة من أعقد التحديات البنيوية في منظومة السياسات الفلسطينية؛ ففي الوقت الذي يمثل فيه الشباب

رام الله- دانيا كحلة – منصة ظل
تُشكل السياسات العامة الموجهة للشباب الفلسطيني واحدة من أعقد التحديات البنيوية في منظومة السياسات الفلسطينية؛ ففي الوقت الذي يمثل فيه الشباب (18-29 عاماً) خُمس المجتمع الفلسطيني بنحو 1.2 مليون شاب وشابة، وهم الفئة التي تتحمل العبء الأكبر للتداعيات الأمنية والاقتصادية المستمرة وفقاً لـ بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، تصطدم هذه الكثافة الديموغرافية بهياكل سياساتية وسياسية تتجاهل دورهم وتؤخر موقعهم على سلم الأولويات السياساتية، وهذا واقع تفاقم مع الأزمة المالية التي تعصف بالسلطة الوطنية.
تؤطر الناشطة ميران البرغوثي هذه الأزمة من واقع تجربتها كشابة "بتعيش تفاصيل هالبلد بكل تعقيداتها"؛ وترى البرغوثي في تجارب العمل الشبابي محاولات لرفع صوت جيلها، شريطة أن يكون الشاب المنخرط في العام العام "على قدر المسؤولية". منوهة إلى اصطدام طموح الشباب بـ "الصورة النمطية" التي تكرس معيار العمر كـ "خبرة" في القيادة على حساب خصوصية تجربة الشباب وديناميكيتها. يتفق الناشط السياسي والاجتماعي سيف عقل، الذي يرى في المحاولات الحالية، وتحديداً المجلس الوطني الشبابي، "مبادرة جيدة"، لكنه يستبعد أن تتجاوز في جوهرها الطرح الرمزي، منتقداً تبرير تهميش الشباب بنقص الخبرة، في حالة يصفها بـ "الخبرة العمرية التي تسمو على خبرة التجربة".
تفكك البرغوثي حالة "العزوف" باعتبارها نتيجة حتمية لقصور السياسات التنموية، مبينة أن الشباب باتوا "مغيبين" عن القرار ليس زهداً فيه، بل لأن "الخنق الاقتصادي" وضعهم أمام مقايضة: "يا بتلحق لقمة عيشك وتأمن يومك، يا بتطالب بحقوقك وحرياتك". هذا المناخ، الذي يفرض قاعدة قاسية مفادها "بدك تعيش؟ انسى السياسة"، دفع فئة واسعة للانكفاء، وسط "جدار من الرفض المجتمعي" يكسر من يحاول التغيير منفرداً. من جانبه، يحيل عقل هذا العزوف إلى خلل في الهياكل المؤسساتية التي "تحتم على الشباب عدم المشاركة"، مشيراً إلى أن انعدام الثقة بالتنظيمات السياسية القائمة، وهيمنة "منطق الوصاية" على المنخرطين في العمل الحزبي، تدفع الشباب للتساؤل على لسان البرغوثي: "هل أنا فعلاً قادرة أغير ولو شعرة بهالواقع؟"؛ وهو يأس تعتبره نتيجة طبيعية لمن "يحارب طواحين الهواء"، مؤكدة أن هذا الجيل الذي "دفع الثمن غالي"، يمتلك الحق الأصيل في رسم ملامح الغد، بدلاً من البقاء في مقاعد "الجمهور".
في محاولة لاحتواء هذا الفراغ التمثيلي، تبلورت فكرة المجلس الوطني الشبابي استناداً إلى نماذج البرلمانات الشبابية العالمية، لتنطلق جهود تأسيسه في النصف الأخير من عام 2025. شملت العملية مساراً ديمقراطياً دُعيت إليه كافة المؤسسات الشبابية الشريكة مع المجلس الأعلى للشباب والرياضة، بما فيها مؤسسات القدس والشتات، وأفضت إلى انتخاب الهيئات العامة وأعضاء المجلس المركزي. وفي 19 كانون الثاني/يناير 2026، أُعلن رسمياً عن انطلاق هذا الكيان ليكون منصة تمثيلية، وذراعاً تنفيذية تهدف إلى نقل احتياجات القطاع الشبابي للمجلس الأعلى، وضمان عدالة توزيع التمويل المخصص لهم وفق معايير شفافة.
إلا أن القراءة السياساتية للأهداف المعلنة تبرز تناقضاً وظيفياً جوهرياً؛ فكيف يمكن لبرلمان شبابي، يُفترض به أن يكون كياناً رقابياً وشريكاً مستقلاً في صياغة التشريعات والسياسات العامة، أن ينضوي تحت عباءة جهة حكومية كـ "أداة تنفيذية" لها؟ إن هذا التداخل التنظيمي يضع علامات استفهام كبرى حول قدرة المجلس على ممارسة دوره التشريعي بفاعلية، ويفتح باب النقاش حول كيفية ضمان استقلالية الصوت الشبابي بعيداً عن تحوله إلى مجرد حلقة وصل إدارية تابعة.
تتجسد التشوهات الهيكلية في ملف الشباب بشكل صارخ عند النظر إلى الأرقام والموازنات. فرغم أن التهميش السياسي يدفع أكثر من ربع الشباب للتفكير بالهجرة، ويبقي نسبة المنخرطين في الأحزاب دون حاجز الـ 6%، يعزو عقل هذا الركود إلى تقيد مؤسسات صنع القرار بـ "هرم تنظيمي صلب" يفتقر لأي تمثيل شبابي ممنهج. ويوضح أن الحضور الشبابي في هذه المؤسسات يقتصر على "حالات فردية" لا تعكس مشاركة مؤسساتية، منتقداً الأحزاب (يمينها ويسارها) لخلو رؤوسها القيادية من الشباب نتيجة "تضارب المصالح"؛ حيث ترى النخبة التقليدية في إشراك الشباب تقليصاً لمكتسباتها.
وعلى الصعيد المالي، يبرز غياب الإرادة السياسية لتمكين الشباب من خلال الموازنة العامة. إذ تظهر تقارير موازنة المواطن الصادرة عن مؤسسة "مفتاح" أن حصة قطاع الشباب لا تتجاوز 0.31% من اجمالي الإنفاق العام لسنة 2025. تطرح هذه النسبة المتواضعة تساؤلاً حول قدرة المجلس الوطني الشبابي على امتلاك ميزانية مستقلة تمنحه الفاعلية، يشخص عقل هذه التبعية كإشكالية بنيوية، معتبراً أن ارتباط ميزانية المجلس باقتطاعات من المجلس الأعلى يضعه في حالة "تقييد دائم" ويصادر قدرته على المبادرة، وهو مأزق يعترف به حبيب دانيال، رئيس هيئة رام الله في المجلس، الذي يؤكد الحاجة الماسة للاستقلال المالي، مبرراً البقاء تحت "حضانة" المجلس الأعلى حالياً كاستجابة اضطرارية بسبب الواقع المالي الصعب الذي تعيشه السلطة الوطنية، مع التمسك بطموح التحول إلى جسم شبابي مؤثر.
لا تعليقات حتى الآن. بدء مناقشة جديدة.